تحليل, رأي, مقالات وأراء

انقلاب وماذا بعد؟

أخبار المواطنة: مقال رأي:

 

مختار الورغمي 233x300 1

 

بقلم مختار الورغمي:

إثر إعلان الرئيس قيس سعيد جملة من الإجراءات أهمها تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة برزت على الساحة السياسية معركة حامية الوطيس بين شقين. هناك شق يقول أنه ديمقراطي ويسمي ما جرى انقلابا على الشرعية وشق آخر يرى في تصرف الرئيس استجابة لحراك الشارع يوم 25 جويلية 2021 .

قبل الخوض في الموضوع لابد من قراءة تاريخية فالانقلاب ارتبط بالعسكر ويتم بشكل مباغت ليتولى الجيش تلاوة البيان رقم واحد مع السيطرة على مؤسسة الإذاعة والتلفزة وانطلاق حملة اعتقالات واسعة لمن كانوا في السلطة هذا ما يجمع عليه الدارسون للتاريخ حين يتحدثون عن الانقلاب .

ما قام به قيس سعيد لا يمكن أن يكون انقلابا عسكريا لغياب البيان رقم واحد وبقاء التلفزة على حالها وعدم اعتقال أي مسؤول في الدولة . الرئيس يقول أنه فعل الفصل 80 من الدستور في حين يتهمه خصومه بأنه أوّل الفصل على مقاسه ليستفرد بالسلطة.

لنعد قليلا إلى الوراء من وضع هذا الدستور؟ يوم المصادقة عليه كانت حركة النهضة صاحبة أغلبية برلمانية يمكنها إسقاط أي قانون وبالتالي هي من صادقت على دستور2014 ومقرره هو حبيب خضر ابن حركة النهضة. يوم المصادقة قالوا أن هذا الدستور هو أفضل دستور في العالم ليكتشف الجميع أنه دستور ملفق وفيه ألغام لا نهاية لها وهو سبب المأزق الحالي.

نصّ دستور 2014 على ضرورة تشكيل محكمة دستورية لتكون فيصلا بين السلطات لكن هذه المحكمة بقيت حبرا على ورق إلى يوم الناس هذا وهي سبب الورطة اليوم. يجب أن لا تنكر حركة النهضة أنها هي من عطل تشكيل المحكمة الدستورية لحسابات ضيقة وساعدها في ذلك الباجي قايد السبسي لأن البلد كان يسير بمنطق التوافق حينها. اليوم تغير المشهد مع رئيس لا يؤمن بالتوافق بل يؤمن بالنص. النصّ الذي يقدسه قيس سعيد كان أجوفا لأن من يتعللون بخرق الدستور لا يمكنهم تطبيقه. الدستور ينص على بقاء المجلس في حالة انعقاد دائم وهذا ممكن لكن بعد شهر تنظر المحكمة الدستورية في التمديد من عدمه فكيف ستطبقون الدستور يا جهابذة؟

حركة النهضة على ما أعتقد مشكلتها مع قيس سعيد ليست الانقلاب بل المصالح. حركة النهضة يوم انقلب الجنرال بن علي على بورقيبة باركت الانقلاب فهل كان انقلابا حلالا؟ حركة النهضة عاش كثير من قياداتها في حضن عمر البشير وهو الذي قاد انقلابا هو الآخر فهل البشير ديمقراطي؟ حركة النهضة تعتبر اردوغان رمزا وهو الذي نكل بمعارضيه ووصل حد اعتقال المدرسين المعارضين له في حين مازالت كل قيادات النهضة المعارضة لقيس سعيد تنعم بالحرية وتتكلم بصوت عال.

حركة النهضة وباعتراف بعض القيادات لم تستمع لنبض شارع وصل حافة الهاوية ( غلاء معيشة / تضخم مالي/ فقر/ جريمة/ وباء……..) . تذكرك تصريحاتهم بكلام قادة التجمع ذات ديسمبر وجانفي 2011 حين كانوا يتحدثون عن المخربين والملثمين وما شابه .

الإشكال في تونس اليوم هو صراع بين رئيس مسنود شعبيا وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها وبين سلطة تتمترس وراء نصوص قانونية غير قابلة للتطبيق . البلد مفتوح على كل الاحتمالات فقد نذهب للمواجهة المباشرة التي ستعصف بما تبقى من هذا البلد وسنرى مشاهد دموية مرعبة. السيناريو الثاني هو فتح باب المحاسبة دون تشف في إطار قضاء عادل ومستقل لينال كل من أجرم في حق البلد جزاءه وتمر تونس إلى حقبة جديدة.

المطلوب اليوم ليس تجييش الشارع من هنا وهناك فهذه جريمة في حق الوطن بل المطلوب هو رفع كل الضغوط التي كانت مسلطة على القضاء ليحسم في ملفات ظلت عالقة لمدة طويلة. الحسم القضائي سيحدد المشهد المقبل ومكوناته وأي حديث عن الشارع هو حديث عن حرب أهلية قادمة لامحالة.

خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 2010 إلى اليوم كثيرون أجرموا في حق الوطن. هناك من دمر تونس وهناك من دمر ليبيا وهناك من ساهم في تدمير سوريا لذلك فليتحمل الجميع مسؤوليتهم.

يتحدث البعض عن دكتاتورية قادمة ويطنبون في الحديث عن ضرورة حماية الديمقراطية . يا سادة انتقال ديمقراطي مفرغ من كل مضمون اجتماعي لا معنى له بل هو مجرد ديكور لا يختلف عن أحزاب الكرتون زمن بن علي. الخوف من الدكتاتورية يجعلني أتساءل هل من يقولون أنهم قارعوا استبداد بورقيبة وبن علي صاروا اليوم يخافون استبداد قيس سعيد؟ من يخاف الدكتاتورية قبل وقوعها ليس مناضلا كما يدعي ومن يؤمن بالحرية سيكون مستعدا للدفاع عن مبادئه ولو كان الحاكم هتلر أو موسليني.

ختاما لا يمكن لمن كتموا أنفاس أحزاب لمدة 50 سنة ولمن يتصدرون المشهد منذ سنوات 1980 ولمن مازالوا على حجرة سقراط في “الكومبيس “أن يظلوا جاثمين على صدر بلد أغلبه شباب . انسحبوا فقد فاتكم القطار أنتم أمام جيل يفكر بآليات أخرى مختلفة . دعكم من هراء بن عاشور المريض بتضخم الأنا فهو يعتبركم ” حيوانات” دعكم من هراء الديمقراطيين جدا فهم مصلحيون جدا والأزمة لا علاقة لها بالدستور ولن تحل بالدستور فحلها بالدستور يعني مواصلة الخراب الناعم .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*