تحليل, رأي, مقالات وأراء

الانتهازيون الجدد في تونس: من هم ؟ من أين جاؤوا ؟ والى اين هم ذاهبون ؟

أخبار المواطنة – مقال رأي:

بقلم: أبو أوس العربي

 

الانتهازية بمفهومها السلبي تتلخّص في مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” التي تبناها الفيلسوف والمفكر الإيطالي “نيكولا مكيافيلي”، وأسهب في شرحها وتأصيلها في كتابه “الأمير”.

وقد تطورت هذه التأصيلة لتصبح داءا عضالا يفتك بالأمم والشعوب، ووباء اجتماعيا وخيما تنهار بسببه الحضارات والمجتمعات، ينتج عنه اظطرابا في المفاهيم  واختلالا في الموازين الطبيعية تأتي كافرازات حتمية لهذه الممارسات. فالكذب يصبح دهاءا، والتعفف بلاهة، والصدق سذاجة، والنصح حسد أو سوء أدب، والانضباط تعقيد، والباطل حق، والشرف تهمة….

وتعني الانتهازية في بعدها الاجتماعي، أن يتولّى الفرد إتخاذ مواقف وإتيان تصرفات اجتماعية أو فكرية أو سياسية غير مقتنع بها، بهدف الحصول على المكاسب أو الحفاظ على مصالح محددة ذات طبيعة شخصية أو عائلية، سواء صبغة مادية أو معنوية.

من هم ؟

بعد جانفي 2011 في تونس ظهر الانتهازيون الجدد باعتبارهم تتمة للانتهازيين والمتسلقين والوصوليين القدامى.

هم أولئك  مدّعي وسارقي النضال وبكل أدواته…

هم من تمسكوا بقطار الثورة ولحقوا بالركب وتسلّقوا على ظهر الشهداء والجرحى والمعوقين…

بعضهم بلغ غايته وانقلب من جديد والبعض ما زال يمسك بذيل معلمه علّه” يصير مثله…

من أين جاؤوا ؟

ان لعبة المصالح الداخلية والخارجية التي سيطرت على الحياة السياسية وساهمت في تشكيل الخارطة وحكمت على بلادنا ان تلازم مخاضها العسير منذ أحداث جانفي 2011، وان تعيش مخاطر جمة بالرغم من الانتخابات العديدة التي مرت بها، والتي توحي بخوض اللعبة الديمقراطية وفقا لقواعدها الأصولية، قد سمحت لبعض زبانية ومرتزقة النظام القديم سواء الرسميين منهم او خدمة البلاط ولبعض عناصر المعارضة الكرتونية قبل 2011 ولبعض الإعلاميين وزاعمي الثقافة عالمقاس وحسب الطلب أن يجددوا وقود الانتهازية بما وفّره لهم هذا المناخ من روح جديدة في اتجاه ممارسة فنون الانتهازية وفق المعطيات الجديدة خاصة بما توفّر لهم من مساحات شاسعة في وسائل الإعلام الجديد وفي بعض البرامج التي اختصّت في لعب دور “الحمّام”، بمعنى أن يخرج الشخص نظيفا من جديد تاركا أدرانه وراءه.

ولئن كان هذا الصنف بديهيا ولا يثير أيّة غرابة في تصرفاته بل هو يكرّس المثل الأصيل: من شاب على شيء شاب عليه، فان لفظ “الانتهازيون الجدد” ينطبق بالدرجة الأولى على من يدّعون خوض التجارب النضالية الحارقة زمن سنوات الجمر، بما يعني ذلك من تبنّي قيما مبدئية والتشبّع بالمبادئ الإنسانية والتضحية من اجل الوطن والأمة والافراد كل حسب مشاربه الفكرية والأيديولوجية ومعتقداته القيمية والعيش للحظة الانعتاق التي يتحقق فيها المشروع الحلم  لممارسة تلك القيم والقناعات بكل حرية.

ربما جاءت لحظة الانعتاق للعديد من هؤلاء، ليجدوا انفسهم في مناخ جديد سمح لهم بتبوّء مراكز قيادية في أحزابهم وفي مؤسسات الدولة، ومن ثمّة الدخول في نمط من العيش الجديد يغلب عليه الترف والرفاهية مقارنة بعامة الشعب.

لقد بشّر هؤلاء “الانتهازيون الجدد” كل من موقعه قبل 2011 بالجنّة الموعودة، بقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وبالحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد ونبذ الظلم والمحسوبية لمن يخافون الله، لكن واقع البلاد اليوم يكاد ينطق من تلقاء نفسه ليعبّر عن عكس ذلك.

فبالرغم من تغير الحكومات عدة مرات، وتجدد المجلس التشريعي  وخوض التجارب الانتخابية الديمقراطية في ظاهرها، فان عسر الأحوال الاقتصادية والاجتماعية بقي يزداد يوما بعد يوم.

فالموظفون والبسطاء والكادحون من الطبقة الوسطى من الشعب عموما، ازداد وضعها سوءا، وهي لازالت الى حدّ اللحظة قانعة “بما كتب الله لها” وهي التي تحمل العبء الكبير من استمرار الدولة المنهارة، في ظروف حياتية ومعيشية صعبة للغاية، وفي الأثناء يستولي الانتهازيون الجدد على أعلى المناصب بحثا عن الامتيازات والحصانة والنفوذ والهروب من المحاسبة والمساءلة.

ولعل ما يزيد الامر غرابة وامتعاضا من هذا الواقع الرديء أن أغلب هؤلاء الانتهازيين عديمي الكفاءة والمعرفة بتسيير دواليب الدولة، وقد “جاء لتعلم الحجامة في رؤوس الأيتام” فانفتحت أبواب الوزارات أمامهم بالصدفة وحسب منطق المحاصصة الحزبية والقرابة والمحسوبية والولاءات ولهذا لم نر مشاريع خلاقة ومبدعة ولم يتحقق أي شيء على أرض الواقع سوى التطمينات والتسويف وأنهار من الكلام والدمغجة، بل لعلّ عجز هؤلاء عن مجابهة جائحة كورونا وتصدّر تونس المراتب الأولى عالميا ضمن الدول المتضررة منها يغني عن كل تعليق في هذا الاطار.

لقد كان هؤلاء الانتهازيين يكيلون للنظام الدكتاتوري السابق شتى أنواع النعوت القبيحة وينسبون له كل أصناف الفساد لنجدهم اليوم في نفس السياق ذاهبون ومن نفس الكأس يشربون.

إلى أين هم ذاهبون ؟

ان الانتهازية السياسية داخل أغلب الأحزاب، التي تكونت في عجلة من أمرها بحثا عن مصلحة شخصية بحتة بما جعلها هشة الهيكلة ومتعددة الاتجاهات، توتمثّل تجمّع مصالح أكثر من كونها أحزاب سياسية، وبالرغم من الشعارات الجوفاء والخالية من المضمون والواقعية تشعلنا لا ننتظر أملا ولا نستبشر خيرا من هذه الطبقة الانتهازية الجديدة.

ففي غياب المشروع الواضح الأهداف والرؤية المستقبلية الدقيقة، يصبح تسيير الدولة خاضعا للتجاذبات التوافقية ولارادة الخارج الذي يستغل هذا الضعف المقيت على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ليملي خياراته الاستعمارية مقابل الدولار العفن.

اننا لا ننتظر محاسبة في القريب العاجل لهؤلاء المفسدين في الأرض نتيجة تشابك المصالح التوافقية بين الطبقة الحاكمة الحالية والتي لا تترك مجالا للمحاسبة الحقيقية للفاسدين والمتلاعبين بمصالح الدولة العليا والمتحكمين في الثروة من خلف الستار زيادة على كون  النظام البرلماني المعتمد حاليا زاد في تعقيد وضعية الدولة.

لم يبقى لهؤلاء الانتهازيين سوى سياسة الهروب إلى الأمام برمي الكرة في ملعب الشعب الكريم والبسطاء وصغار الموظفين والمهمشين من خلال الاقتطاعات المشطة والزيادة المتواترة في الأسعار مقابل التسويف والمماطلة لكل المشاريع والوعود التي ينتظرها الأغلبية الصامتة من هذا الشعب الى ان تأتي الساعة الصفر لاندلاع ثورة حقيقة هذه المرّة لن تبقي ولن تذر وربّما تكلّف سقوط الدولة كما يتوقّ العديد ذلك.

وفي كل الحالات ومع كل السيناريوات الممكنة فان هذه الطبقة من “الانتهازيين الجدد” ليس لها من طريق سوى ان تذهب إلى الجحيم وبئس المصير.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*