ثقافة, كتب

واكتبوا على شاهد القبر…. هنا وطن وإنسان

أخبار المواطنة – ثقافة:

بقلم: الشاعر الفلسطيني عيسى أبو الراغب

إلى الذي توفي في زمن الغربة الطويل.. اليه ذاك الذي انعكس ظله على كل الجدران.. إليه ذاك (الراغب) اسما ومعنى… الذي عاش في أرض بعيدة ودفن في مكان بعيد.. إليه ذاك الذي حمل كل الأرواح في كفه وحمل الذكريات في حقيبة سفر.. إليه حين رفض أن يأكل خبز الخنوع واليه حين رفض أن يشرب الماء ممزوجا بسم الشتات إليه والى كل من استظل بظل الله وعاند قسوة الحياة .

إليه والى كل من حمل المخيم حين سفر طويل وحين ذهب ولم يعود وارتفع فوق الأرض قبر له بشاهد رخام مكتوب عليه هنا يرقد إنسان

كنت اسأل دوما حين أزور تلك البلاد كيف كان لروحك القدرة على العيش والشوق للمخيم وأهله يزيد.. كيف استطاعت أن تعيش بلا حضن أمي.. أهي قسوة الحياة ومرارة الحال أم هي ضريبة الحياة من أول الولادة للممات

ما زلت للان احمل صوتك أيها (الراغب) حين كنا نزور قبر أمي وتقف تقرأ الفاتحة ونصف القرآن وحين كنت تقول إذا مت ادفنوني هنا.

عذرا وكأن الأيام خانت رغبتك وكأننا أيضا خنا عهد الوفاء

إلى كل الأرواح والأجساد التي بقيت والتي غادرت ورفضت البقاء في وجع المستحيل والتي أنكرت العيش في جنون الحياة

إلى (راغب) أخي التي خطت الغربة على روحه خطوطا غريبة وعاش ومات في الغربة بثبات

إليه حين كتب على دفتر الأيام

هذا المدى حدي

خرافي كان ظلي ذا زمن

أوثقه السراب

كنت أنا حين انتظرت قافلة ستعود

حينما عاد أبي و روى لي مواثيق الديانات السابقة

ورمى أمامي معجزات الأنبياء

أوصاني بأن أغلق كل النوافذ عن الشمال من قلبي

رؤياي لم تكن غبشا

وبقيت انتظر الريح

وهز أبي قلبي ليتساقط منه ورق الإيمان

ها أنا هنا

حدي ظلي

فلا تدسوا رؤاكم في دمي حين اللقاء

هذا المدى حدي… المخيم بكل ما فيه

كان هناك ثم كان هنا وأنا بقيت هناك

أمسكت التراب حين أتاني الموت

بكيت ثم بكيت حتى ابتل التراب

عجنت منه لبنات وبنيت بيتا في السماء

وبقي في ذاكرتي الزقاق

المخيم من رحل ومن بقي وما زالت الحكاية

ليس وحدي ثم ليس وحدي

المخيم اكبر من أي كلمات كتبت عبر الزمن وعلى صفحات الورق

واكبر من التي ستكتب في دفاتر الأيام

هذا المدى حدي

خرافي كان ظلي ذا زمن

المخيم شجرة تين عتيقة… وزيتونة عنيدة… شجرة كينا تضرب جذرها في الأرض وتعتلي للسماء.. دالية عنب تتعربش على أعمدة الروح.. المخيم البيوت التي تحمل في كل جنب فيها حكاية وتفاصيل قرية ومدينة وتحمل ملامح إنسان .. المخيم مساحة سكنية شاسعة اكبر من خيال أي احد وأصغر من واقع وطن يسكن في الوجدان

كل أبناء المخيم أقارب بقربى الدم أو قربى الوطن وكل يوم تزداد القرابة بمصاهرة أو ذات الهم

المخيم بداية الكون ونهاية الكون وأول الحروف وآخر الكلمات المرتبطة مع الوطن فلسطين

أبناء المخيم دهشة التشابه ونقيض الحال.. الفقر والبؤس.. التعب والألم.. العتمة وسراج الفتيلة… وبابور الكاز في الشتاء.. المخيم الأسماء والزمان والأماكن بدءا من المخيم الجديد إلى حدود المقبرة التي ترتفع فيها الشواهد بأسماء من رحلوا وقد خطت عليها أسماء مدنهم وقراهم بعضها قد اندثر وبعضها ما زال شاهدا للعيان

المخيم حملناه معنا في حلنا والترحال

وحين الموت بكيت وما توقفت عن البكاء

كان ترابي بعيدا وأوصيت أن يحفروا قبري عميقا عمق الاشتياق

كنت أنا (الراغب) في الحياة

وبقيت (الراغب) في الممات في الزقاق

أجمعوا عظامي ذات يوم وأودعوها حضن أمي

واكتبوا على شاهد القبر

هنا وطن وإنسان

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*