01
تحليل, مقالات وأراء

نصير فليح (العراق) : التكنولوجيا واسئلة الانسان الكبرى…نبذة عن فكر باول فيريليو

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الوقت الذي حقتت فيه التكنولوجيا تقدمات في حياة البشرية، فانها كرست العكس ايضا. ولعل هذا هو الموضوع الابرز في فكر پاول فيريليو، اي نقد الحضارة المعاصرة المؤسسة تقنيا على التقدم التكنولوجي. فالسرعة والتسارع المرافقين للعصر الحالي، وتخطي التقدم التكنولوجي للاغراض الموضوعة له، وما يتركه ذلك من عواقب على احساس الانسان بنفسه والعالم المحيط به، وعلى طبيعة التنظيم الاجتماعي، محاور رئيسية في هذا الفكر.
بالنسبة لپاول فيريليو Paul Virilio ، فهو مفكر ومعماري فرنسي ولد عام 1932، وتوفي مؤخرا قبل عام تقريبا، ويعتبر من ابرز المفكرين النقديين المعاصرين الذين تركت اعمالهم اثرها الكبير في مجالات متعددة. وقد درس وانشغل بالعمارة وتخطيط المدن أولاً، ولكن في مجرى مسيرته اللاحقة توسع الى الفكر النظري والفلسفة ودراسة الجماليات (درَس الفلسفة في السوربون على يد موريس ميرلوبونتي). وقد كان للحرب العالمية الثانية اثر كبير جدا في حياته، ولهذا ليس مستغربا ان يقول ان « الحرب هي جامعتي ». وكان من اهم بحوثه المعمارية والفكرية البحث المتعلق بالجدار الذي انشأه الالمان على طول الساحل الشمالي في فرنسا (الجدار الاطلسي) صدا لاي هجوم محتمل من جانب الحلفاء، كما كان شارك في الجيش الفرنسي في حرب الجزائر، وايضا في احداث عام 1968 في فرنسا. نشر فيريليو العديد من الكتب والمقالات، وشغل عددا من المناصب الاكاديمية ايضا.
فيريليو يناهض التصورات عن افضليات التقدم التكنولوجي، بما في ذلك التصورات الماركسية. فالاخيرة لها موقف ايجابي بوجه عام ازاء هذا التقدم، بالارتباط مع تصورها عن التطور التاريخي وما يفضي اليه من انتصار للطبقة العاملة (البروليتاريا) في نهاية المطاف وتحقيق العدالة الاجتماعية. فجانب مهم من نقد فيريليو لهذا التصور هو ان التكنولوجيا بطبيعتها تتخطى الغايات الموضوعة لها اصلا، وهنا نلاحظ سمة مشتركة هامة بين فكر فيريليو وفكر هايدغر، الذي وجه سهام نقده ايضا للتكنولوجيا، لا سيما في محاضراته بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد يقول القاريء هنا ان التطور التكنولوجي ليس خيرا بذاته او شرا بذاته، وانما يعتمد على الطريقة التي يتم استخدامه بها، لكن هذا الراي نفسه، كما يرى هايدغر، يغفل عن جوانب اساسية في طبيعة التطور التكنولوجي نفسه، بما في ذلك أثره في تغيير طبيعة نظرة الانسان الى نفسه والعالم، وعلاقة الانسان بسؤال كينونته الحقيقية او الاصيلة authentic، الذي يتوجب ان تكون له الاولوية. ففي محاضرته (السؤال المتعلق بالتكنولوجيا) The Question Concerning Technology (1954) (وهي نسخة معدلة من بعض محاضراته في بريمن 1949) يرى ان هذه الطريقة في التفكير نفسها تبين كم اننا خاضعون، حتى في تصوراتنا، الى منطق العالم الذي صنعته التكنولوجيا، حيث تصبح فيه الطبيعة والبشر على حد سواء اشبه بالاحتياطي او الخزين او التجهيزات التي يمكن توظيفها بهذا الشكل او ذاك في عالم التكنولوجيا، وهو ما يعني ابتعادا عن الوجود الحقيقي الاصيل وغناه الذي نستشعر شيئا منه في حياتنا اليومية المباشرة.
التطور التقني وعلاقته بسؤال الجمال جانب مهم ايضا من فكر فيريليو، ولا سيما تناوله لموضوع عصر الصورة وظهور السينما، اي الصور المتحركة، وما تركه ذلك ولا يزال من تغيير في طبيعة ومعنى الجمال نفسيهما. فقبل ظهور السينما كان الموضوع الجمالي موضوعا ثابتا، يمكن العودة اليه، التمعن فيه والتأمل فيه على اساس هذه الطبيعة، سواء اكان لوحة فنية او مبنى معماريا او قصيدة او رواية وما شابه. لكن ظهور الصورة المتحركة في السينما، التي تمر من خلالها ما يقارب 24 صورة في الثانية الواحدة، كان نقطة انعطاف في هذا الشأن. فقد اصبح « الاختفاء »، لا « الحضور » فقط، عنصرا في بنية الوعي والادراك بما في ذلك الجمالي، وهو ما يتضح بوجه خاص من عنوان كتاب رئيسي لفيريليو The Aesthetics of Disappearance ( = استطيقا الاختفاء).
أما « الدرومولوجيا » Dromology (اي علم او منطق السرعة) فمفهوم هام في فكر فيريليو يترك تاثيره على مختلف مجالات الحياة. ذلك ان السرعة التي يحدث فيها شيء ما تغير طبيعة ذلك الحدث او الشيء نفسه، وقد ظل هذا الموضوع ملمحا اساسيا في عمل فيريليو تتناوله أعماله الرئيسية من قبيل Speed and Politics ( = السرعة والسياسة)، War and Cinema: Logistics of Perception ( = الحرب والسينما: لوجستيات الادراك الحسي)، وصولا الى اخر كتبه المنشورة عام 2012 The Great Accelerator ( = المسرِّع العظيم).
فيريلو يمد اثر هذه العلاقة بين السرعة والتكنولوجيا الى مجالات عديدة في حياة الانسان، مثل العمارة، وطبيعة المدن وتخطيطها، والصورة او الفكرة عن الحرب في الوعي العام والفردي، عندما تتحول صورة الاخيرة الى ومضات من الضوء، كما هو الحال مع القنبلة الذرية مثلا، بعيدا عن المعنى القديم للحرب الذي يتجسد فيه الصراع بشكل كائنات بشرية تواجهه بعضها بعضا في ميدان عيني ملموس ومحدد. وكل هذه الجوانب، التي تترتب عليها تغيرات جذرية في طبيعة وطرائق حياة الانسان، لا تشير الى التكنولوجيا بما يمكن ان نقول عنه ببساطة « تقدما »، من الزاوية الجمالية والاخلاقية على الأقل.

Leave a Comment

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.

*