محمد عبد الرحمان الرماني : في التربية

في التربية
تظهر التربية للناس، باعتبارها فعلا عفويا يتأسس على المحاكاة وإعادة تدوير القيم، وتعتبر إساءة كبيرة أن يُنعت أحدهم بعدم القدرة على التربية، إذ التمثل الذي يحمله على هذه الأخيرة، هو كون التربية لا تتجاوز أن تكون عملية نقل وجسدنة توظف القول المليح والتشجيع، كما توظف العنف والتهديد والتخويف لغاية واحدة هي تمرير جملة من الأخلاق التي يرى ناقلها أنها تتلاءم مع الفضيلة، ويرى أن اتهامه بالفشل في نقلها هو اتهام له بعدم تملكه للوصفة الأخلاقية المثالية، أو عدم تمكنه من طرق النقل، والتي تستلزم عادة علاقة عمودية طهورية واصطناعية بشكل فج، فيكون فشله في النقل ليس فشلا تقنيا وإنما فشلا نفسيا ووجوديا بحيث يكون قد فشل في الدور الاجتماعي الذي يلعبه، والذي من مميزاته أن لا يفشل، وأن حفظ ماء وجهه كما يوصّف إرفينع غوفمان، لا يقتضي إلا النجاح، حتى يحافظ على موقعه ضمن التفاعلات الاجتماعية
إن هذه القراءة الاجتماعية لفعل التربية، تبدو ضروية، وذلك من ناحيتين:
الأولى: حتى نقيم الفرق بين فعل التربية والميتا تربية، وقد اخترت أن أسمي ذلك ميتا تربية كي أتجنب وصفه بفسلفة التربية، إذ التنشئة الاجتماعية بما قد يحوم حولها من انتقادات وبما تنتج من أخطاء تبقى حاملة لاسم التربية والتي بدورها تسترفد من فلسفة ما، في حين التربية الوالدية – على سبيل المثال- التي يجترحها الفاعلون الاجتماعيون وأقصد أساسا الأولياء، لا تمتلك ميتا تربية وليس من الممكن أن يكون لها ذلك اتفاقا مع انطلقنا منه، إذ التربية في هذا السياق تعتبر في الغالب فعلا عفويا، أما الوعي بالتربية ومساءلة كيفيتيها وتقييم الخطط والاستراتيجيات، والمحاورة الإشكالية للتمشيات بل والتساؤل المعرفي عن إمكانها، كما التساؤل الأخلاقي عن وجوبها وعن علاقتها بحرية الأفراد وامتلاكهم لذواتهم وأخلاقية تقرير جزء من كيانهم عن طريق ترسيخ ما نراه نحن نافعا وفاضلا، كما التفكير في الأطر القانونية والتشريعية التي يتطلب النشاط التربوي، كل هذا وغيره لا يجد مكان له إلا داخل حقل التفكير في التربية والذي هو شأننا نحن الفاعلون التربويون.
ثانيا: لا يجب أن يعتبر الفشل التربوي، فشلا فاضحا، لأن التربية – باعتبارها علما- أشبه بالتجريب في المسرح، والذي ظهر للقطع مع القوالب الجاهزة سواء في النص أو في حركات الممثلين وإيماءاتهم …. كذلك على الفعل التربوي أن يتمصل من ثقل الأخلاق والمواريث الاجتماعية حتى يستطيع أن يفكر باعتباره علما وأن ينتج معرفة قابلة للفحص والمقارنة وإسداء الأحكام الموضوعية. والتجريب ليس مرادفا للعشوائية بل هو المنظور الذي تكون النظرية فيه حية، ويكون التطبيق صنوا للسؤال، كما الاستحضار الدائم لحقيقة أن التربية فعل إكراهي وإسقاط معياري يفرضه مفهوم المجتمع ذاته، حيث إن الضبط الاجتماعي والتشريط النفسي هما أساسات العيش معا والبنية العميقة لإمكان الاجتماع، فاسحضار ذلك قد يقينا نسبيا مزالق العملية التربوية ويحمي الفاعلين من تصدير ارتودوكسية جيلهم.
ولا يخفى دور المدرسة في السياق التربوي، والأهمية التي تلعبها في التنشئة وإعادة إنتاج المجتمع بالمعنى البنيوي والثقافي للكلمة، فالتربية المدرسية، هي استئثار بوظيفة الخبرة التراكمية وادعاء بالحكمة الراسخة، وهي مأسسة لضبط المجتمع العفوي واللاعفوي والتي هي جزء منه، ما قد يميز التربية المدرسية أنها فعل واع، وأنها باستثمارها للقيم المتداولة والتقنيات والعلوم المتاحة تعيد إنتاج المجتمع. لكن للتربية المدرسية وظيفة أخرى، ألا هي إنتاج القيم والتقنيات والعلوم، بحيث تصير حاكمة على المتداول وناظرة فيه، وهو ما يكون نتيجة للتثقيف ووجود نخبة من النقاد الذين هم بدورهم صنيع المدرسة أو مروا عليها ثم ارتدوا. لكن لا يعني كون المدرسة واعية بتمشياتها، أن تخلّق مجتمعا فاضلا، بل قد تكون أكبر مساهم في الأدلجة والتنميط وبعث الأموات، إذ امتيازها التقني والرمزي يجعلها سلطة ذات مهابة واعتبار، كما يخوّلها ذلك للافتاء التربوي، ما يدعو لأن يكون الوعي التربوي لا وعيا أكاديميا فقط وإنما وعيا اجتماعيا شاملا، حتى يكون النقد متاحا والاصلاح ممكنا ضمن فضاء مؤسس على متطلبات العقلانية التواصلية والأخلاقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

67 Shares
Share
Pin
Tweet
Share67