قوارب الموت : إلى متى؟

أخبار المواطنة – قراءات:

بقلم مختار الورغمّي

( إلى أرواح شباب مدنين الذين اغتالتهم قوارب الموت مترحما عليهم بكل ألم)

ضحايا الشقاء ..يا ضحايا الفساد ..أغنية قديمة لأولاد المناجم غنتها زمن الاستبداد لكن تبدو صالحة لزمن أغبركهذا فالهاربون هم ضحايا الفساد.

تعيش ولاية مدنين منذ زمن على وقع الفواجع القادمة من البحر.البحر صار يبتلع ضحاياه بالجملة وبالتفصيلأحيانا ولن يشبع من التهام المزيد. يبكي الجميع حرقة ويذرف المسؤول أحيانا بعض دموع التماسيح و لا أحد يطرح الأسئلة الحارقة.

هل الظروف المادية وحدها هي سبب ركوب قوارب الموت؟يختار الجميع الإجابة بنعم هربا  من المواحهة. إن ظاهرة الحرقة ليست مجرد رحلة بحث عن شغل بل هي أبعد من ذلك بكثير. لقد أثبتت قوارب الموت أننا إزاء شباب يائس وقريبا تصل موجة اليأس الكهول أيضا وما إقدام بعض النساء الحوامل على الحرقة إلا دليل على أنها رحلة البحث عن حلم ربما يكون هناك في الضفة الأخرى.

هذا اليأس تقف وراءه أولا السلطة السياسية التي حكمت البلاد منذ 1956 فمستقبل الشاب في تونس إما موظفا مرتهن للبنوك لن يستمتع بشيء من الحياة أو بطالا يجوب المقاهي يستجدي ثمن سيجارة.دولة تعيش منذ 1956 دون بدائل حقيقية لهذا الشباب الذي هو في الأصل رأسمال البلد( لا تحدثني عن المرمة والزيتون ففيها حديث طويل).دولة لم تعتمد يوما التوزيع العادل للثروة فخلقت طبقة من الأثرياء تدوس على رقاب الفقراء في واضحة النهار بلا حسيب ولا رقيب ( تذكروا حوادث النساء العاملات في بوزيد وكيف قبرت الحكاية).

دولة اختارت نظاما تربويا فاشلا بامتياز.مدارسنا” أسواق جملة” لانواع  شتى من المعارف وهنا يطرح السؤال: هل تعبئة المعارف بتلك الطريقة يبني إنسانا؟ آسف جدا إنها تصنع آلة تستطيع الإجابة عن جملة من الأسئلة وسرعان ما تتبخر تلك المعارف لأنها ارتبطت بمنظومة تقييم فاشلة أيضا. نظامنا التربوي لا يبني شخصية الانسان ولا يغرس جملة من المبادىء والقيم التي تكون صمام أمان أمام الحرقة وغيرها من الكوارث. نظامنا التربوي يعيش حالة انفصام لأنه يوهم الشباب بأحلام كثيرة وحين يصطدم بواقع مر تكون الكارثة. هل تساءلنا لماذا رفع الشباب في لمبيدوزا شعار ” خبز وماء وتونس لا”؟ هؤلاء رددوا آلاف المرات ” نموت نموت ويحيا الوطن” فلماذا أداروا ظهورهم للوطن؟ من المسؤول هم أم الوطن؟

نظامنا الاجتماعي المخروم  ساهم بقسط كبير في تفشي ظاهرة قوارب الموت فقد تفككت الأسر وفقدت كل سفينة ربانها وصارت الثروة مطمح الكل مما يجعل الأم تبيع ما تملك لتوفر معلوم رحلة إلى المجهول وهنا لا نلوم الأم بل نلوم الظروف التي جعلتها تضحي بابنها.

إن الحديث عن ترسانة قوانين لمقاومة الظاهرة هو حرث في البحر.ما تقوم به إيطاليا من تسفير قسري هو تأزيم للوضع لأنهم سيعودون إليها يوما ما. نحن مطالبون بكثير من الشجاعة لنقف أمام المرآة ونرى عوراتنا كما هي ثم نتدبر كيف نسترها.

تغيير النظام التربوي أصبح اليوم ضرورة وطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولا أتحدث عن الإصلاح فهو لم يعد ممكنا اليوم.تحميل الدولة مسؤولية من ماتوا غرقا فهي بلغة القانون أعتبرها قضية ” إهمال عيال”وأرجو من المدافعين عن الدولة أن يصمتوا لأن دولة تمتلك كل خيرات تونس قادرة على تحسين رواتب موظفيها للقضاء على هجرة الكفاءات وكذلك دفع راتب للمعطل إلى حين تشغيله.

تغيير المشهد الإعلامي برمته ليقوم بدوره التوعوي/التثقيفي/التربوي/الترفيهي بدل تكريم المهرج لطفي بوكلسون الذي يمثل جزءا من مشهد إعلامي بائس .

رحلات قوارب الموت لن تتوقف ولو وضعتم حارسا دائما على الحدود فالباحث عن حلم مستعد للموت بأي طريقة. تعالوا إلى طاولة تجمع السياسي / المختص الاجتماعي / المختص النفسي/المختص الاقتصادي/ المختص التربوي وابحثوا عن حلول حقيقية بعيدا عن بيع الأوهام . هي مسيرة ألف ميل كان يمكن أن تنطلق منذ زمن بعيد ولكنكم لا تفقهون. ستظل صرخات الأمهات تلاحق كل الفاعلين في هذا البلد بل ربما ستتكاثر الصرخات.

رحم الله الموتى وحفظ الله الباقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0 Shares
Share
Pin
Tweet
Share