92491848 264495558043473 970739424386088960 n
ثقافة, كتب

قراءة نقدية في نص « ماهية الحب » للأديبة وداد رضا الحبيب بقلم الناقد د. حمد الحاجي

هوية العلامات في بناء التأويل أو قراءة في  » ماهية الحب  » للكاتبة وداد رضا الحبيب قراءة الاستاذ: حمد حاجي

تصدير:

 » الصمت..
حتّى يَكُونَ تَكَلُّفُ القَولِ فَضْلاً ، والكلامُ خطلاً. » الجاحظ.

92356095 560459431245684 8352823629569851392 n

مقدمة :

مهما اختلفت دلالات التأويل في التداول المعرفي الفني والادبي.. فان التأويل نفسه يعد مصطلحا له صلة وثيقة بالأدب والفن و نقدهما، حيث إن مهمته تتجلى في العمل على استخراج المعاني العميقة التي تنطوي عليها الأعمال الأدبية و الفنية وغيرها عن طريق أدوات القراءة و الفهم.. وتفكيك المضمر من النص لاظهار مواطن جماليته وابراز الطرائق البنائية المفضية لمعانيه وتدبر خططه القولية..(*)
وهو الطريق الذي نبني عليه رؤيتنا لهذا النص .. فأي تفكيك ؟! واي تأويل تجنيسي؟! وأي تعبير يفضي بداهة لفن الجمال؟!

ا=======================
اولا بالتفكيك وهوية العلامة بفن التأويل
ا=======================
لئن احتلّت مشكلية العلامات المركز الأبرز في التفكير النقدي..فانها اجتمعت على اعتبار ان التأويل- عبر مساره التاريخي- يتعامل ازاء فهم النص عبر تيارين كبيرين:
الأول: تيار ذو مرجعية علمية، ووسيلته التحليل السيميائي، أو البنيوي، أو التفكيكي، من خلال تتبع « الدال والمدلول » بمفهوم « دي سوسير »..
او من خلال ملاحظة ذينك المحورين:
الاول محور الاختيار ونعني به محور الاستبدال، والتركيب أي المحور النظمي للوصول إلى أفق النص، والعلاقات النحوية أو اللغوية بين مكوناته الذاتية بعيدا عن أي مرجعية..
والثاني:تيار ذو نزعة إنسانية، يهتم بتحليل انساني كوني يحلل رؤيا الذات المنغمسة في الموضوع والتي تتشابك علاقاتها الداخلية مع تشكيلات من مثل الاهتمام بتيمات الخيال والصور والإيقاع والأوضاع اللغوية الانزياحية.
وعلى اعتبار فن التأويل بهذه الصفة انه فن الجمال يجعل النص محملا بعناصر متشابكة من المرجعيات التناصية للكاتب من ناحية والمستوعبة لمؤهلات القراء اللسانية والثقافية والتي يشترك في انتاجها اطراف عدة (**)
فان مهمة التفكيك تندرج في سياق عام هو سياق التاويل interprétation بما هو بدءا فحص قضايا المعنى والقيمة وثم ثانيا البحث في كينونة الانسان وثالثا اتخاذ مواقف موضوعية مسؤولة ..
فبالبلاغة العربية مثلا التأويل هو كل اختلاف حول ملفوظ بسيط وبالدراسات الادبية التأويل نظرية في الفهم والتحليل اي ما يجعل من اثر ما أثرا ادبيا لذلك نرى ان تحليل النص الذي بين ايدينا ومهما تشعب من امر فاننا نرى التأويل فنّا يطلق عليه لفظ الهرمينوطيقا herméneutique اي فن قراءة العلامة بمختلف ضروبها النصية من أجل القبض على المعنى المحتجب والايضاح والتقويم ..(**)
هو ما انفراد به محمد شوقي الزين حيث يقول «: تجدر الإشارة إلى أننا ترجمنا كلمة ولفظ(herméneutique) كما لوكان فن التأويل بنفس معنى (Interprétation)
ومن هذا المنطلق التأويلي وعلى أساسه، لو طبقنا هذا المفهوم.. على ذات النص المطروق..سندرك ربما تجنيسه..
ا=======================
اما ثانيا قضايا التجنيس ما فائدتها؟
ا=======================
نستهله بالسؤال هل يكون النص قصة محكية؟
لو طبقنا جينات النقد وموتيفاته على المتن النصي للكاتبة وداد الحبيب .. سنجد انفسنا امام تجارب تأويل متعددة بالحقل النقدي يطول شرحها هنا لكن لضرورة تحليلنا ساكتفي بالحديث عن (*)
✓ جيرار جينات حين حلل رواية مارسال بروست [ بحثا عن الزمن الضائع] يرى ان مفهوم الخطاب القصصي يدرس من زوايا ثلاث
– الزمن le temps
– الصيغة mode
– الصوت voix
وهذا ينفي ان يكون نصنا هذا قصة (1)
✓ تدوروف حين قراءته لرواية [العلاقات الخطرة] لبيار دي لاكلو يرى ان القصصية ترجع الى معنيين اساسيين هما
– الخبر
الخطاب
اي انه النص تحت طائلة ثنائية الخبر / الخطاب..
وهو ما يدعم ايضا ان النص ليس قصة قصيرة
✓ ميخائيل باختين.. ومعالجاته النقدية الموسومة بالحوارية. ولا يخفى على الدارسين ما الفناه عند النقاد من بعده بالبوليفونية..
✓ التجارب الابداعية
ان ما خلفه الادباء.. من نيكولا جوجل (1809/1852 gogol ) وآلان بو (1809/1849) وموباسان(1850/1893) وتشيخوف(1860/1904).. تعطي كل هذه التجارب الابداعية مفهوما يعطي تمايزا السرد الطويل عن القصير.. بكونه قائم على تركيب ثنائي تتوقف في قمة عقدتها بالذروة لحظة التنوير والكشف..
نص الاستاذة وداد الحبيب.. يؤثث كل معطياته وفقا للوضع الختامي الهاجس الاكبر..
اذن نلحظ بهذا النص تواجد وحدة الانطباع وتوظيفا واضحا لبعض عناصر القص..(2)

ا================
ثالثا السردية التعبيرية
او
قصيد السرد التعبيري
ا================
نستهله بالسؤال هل يكون النص شعرا أولا..؟
ثانيا ماذا لو افترضنا النص قصيدا نثريا تعبيريا.. كيف..؟!
1-ملامح الشعرية تتعين بأمور عديدة نعين هنا أمرين :
أ-الغنائية التي يحتفل بها النص وكرنفاليته وتتمثل بالاساس في ان تستشرف النفس والذات بالنص صورها بعيدا عن المحاكاة لتلك الصور الخارجية وهو ما يمثل هنا حضور الايقاع او الاصوات المتعددة وتناصات المتن لتأصيله وتعمد عدم التعيين (indétermination) المفضية لخلق خطاب شديد التوتر والانفعال..(3)
وهذا كله يدعمه الاتقان بالتجويد اللغوي والتعبيري والعزف على نغم الموسيقى حتى اننا نجد نفس شعراء العاطفة او ادباء الحس الرومانسي مع احمد زكي ابو شادي او ايضا ابراهيم ناجي
ب- العاطفة المسيطرة على بناء النص دون التخلي عن الفكرة الاساس والبؤرة التي تستلهم القضايا والاشكالات بثوب جديد.. كمثل القضايا التي تطرق اليها علي محمود طه او ميخائيل نعيمة وجبران..
فنخلص أن النص اذن بكونه تعبيريا ان تحدث عن العواطف والمشاعر المتأججة والالام العظيمة والمشاعر العميقة وربطها مع ما تثيره في الذات الانسانية عامة..
ونخلص ثانيا أن النص بكونه نثريا انبنى سرده على النثرالذي اهتم بالتنويع بين الاسلوبين الخبري والانشائي والذي صار الغاية والوسيلة لشعرية مخصوصة.. حين صدق العاطفة وجودة التصوير وبخاصة الايجاز وجزالة الالفاظ وقوتها او الاهتمام بالمحسنات البديعية فياضة بالمعاني كما وصف الجاحظ(ربما الكناية أبلغ في التعظيم وأدعى الى التقديم)..(4)..ولقد قيل من زاوية نظرية تأويلية : انطلاقا من صورة مجازية فريدة يفصح عنها نص ما تنفتح آفاق خطابية جديدة محتملة الوقوع تمر عبر خزان التجارب الذي يشغل الذاكرة . وان المدى المجازي جمعٌ في صيغة مفرد .. فهو يتكاثر ما إن يتأوله المتلفظ (L’énonciataire) ويحينه..(5) من هذين المنطلقين وعلى اساسهما يمكن اعتبار مسألة البحث عن تفسير لتعبيرية هذا النص وفهمها لابد ان تمر عبر استنطاق مجمل التعبيرات واخص بالذكر هنا ما ادخله شيلر للتأويل وهو ما يسميه « بالتعبير »، سواء كان سلوكا اجتماعيا أم نصا مكتوبا، سعيا لتجلية الدور الإيجابي الذي يؤديه المؤول في عملية فهم النص (النصوص) وتفسيرها ولذلك اعتبر شلير ماخر و ديلتاي قد اثرا في نظرية التأويل، على النقاد بهذا اللفظ (التعبيرية والتعبير ) على كثيرين من بعدهما أمثال هيدكر، كادامر، ريكور، أمبرطو إيكو، ياوس، وإيزر، وغيرهم ممن تابعوا هذه النظرية، وأغنوها بأفكار متقدمة طوروها من خلال حوارهم ومجادلاتهم مع أعلام المقاربات النقدية الأخرى.. وهذا ما يؤيد نظرتنا ان هذا النص بالسرد التعبيري على عبارة شيلر او كادامار من بعده..

 

 

 

ا===================

رابعا منظورات السرد التعبيري

ا==================

هكذا تتوارى الحكاية والقصة من النص وتتكئ على توالد التعبير وتناسله وتحتشد بزخم التفاصيل الشعورية وتستنفذ طاقات المكان والزمان بغاية وقصد لتشخيص الحال الشعرية بتجاويف الذات و باعماق الانساني فينا لمواجهة العالم والاشياء حضورا وغيابا من خلال الملامح الانفة الذكر ومن خلال هرمونيطيقا التأويل (1) (2) ( 3). (4).. تبين لنا ان النص شعري بامتياز قد انبنى على اعمدة اربعة منها السرد والتعبير سالف الذكر عنهما فهو ليس ذلك النص الذي يسرد الحكائي القصصي وليس هو بذات الوقت التعبير عن الاشياء والمواد.. اذ ان السرد فيه هو ذلك الممانع للسرد غايته التوظيف وقصده الايحاء بالخيال والرمز باللغة العذبة والانزياح اللغوي وتعمد الابهار فليس هو سرد قائم على خصائص فنية للقصة كالوصف. الحوار الامكنة والازمنة والاحداث التي تؤثثها الشخصيات.. وانما هو شعري على معنى النثر والتعبير الذي ينبع من القصائد التي كتبها اليوت واودن ورامبو وبودلير وملارميه.. مع فارق ان هذه السردية الشعرية التعبيرية لا تعتمد العروض والاوزان والتقفية الموحدة والتشطير ووصل الفواصل والنقاط او وضع الفراغات بالتشكيل البصري وانما استرسال نصي متلاحق متراص تكون اللغة تجريدية وشعريتها رمزية استعارية .. وتلك هي بتقديرنا تجنيسية للنص تجعل منه مخطوطا يتكون من وحدات ومتواليات نصية تتدرج من الحرف الى الكلمة فالجملة لتصل الى تشكيل نص بهيئة مخصوصة فيكون تلقي النص قائم على علاقتي استبدال (syntgmatique) او براقماتية (syntgmatique)بين حقول دلالية ودلالات لغوية .. سواء اكانت بموضع انفتاح (extraverti) او متموقعة حين الانغلاق (intraverti)ذلك ان لغة التخاطب و الكلام التعبيري محدودة قيمته بالتواصل الشعوري /التعبيري.. وهكذا نذهب بتاويل النص الى ما ساهم كادامر فيه حين تحدث عن فلسفته التأويلية التي تسعى الى تحطيم المعنى الموضوعي خاصة ان الكاتبة بنصها هذا ساندت فكرة الاستقلال الدلالي للنصوص، تلك الفكرة التي تعني أن اللغة المكتوبة كلها تظل مستقلة عن العالم الذاتي لأفكار الكاتب الفردية ومشاعره، ولهذا فانن الكاتبة تقدم نصا يتماشى مع رؤية كادامر الذي يلغي الحقيقة في النص، وإحالته إلى معنى خارجي عن ذاته، مانحا بذلك على غرار النقد الجديد الأهمية الكبرى للتأويل. كما يرفض الاعتراف بثنائية المعنى والدلالة، وهو تقسيم يراعي حق النص في الإبلاغ، وحق المتلقي في التأويل، فالمعنى يشير إلى مقصد النص في زمنه الخاص به، و الدلالة أو المغزى تفيد ما يدل عليه النص في زمن القارئ..

 

ا========
خاتمة
ا========
هكذا يدخل النص السردية التعبيرية من باب انه ضرب من كينونة المكتوب حسب عبارة غادامار .. ومن بوابة انه سرد يمنح شكلا آخر للزمن بعبارة بول ريكور..
وهكذا يدخل النص تحت شعرية العلامة بوصف الادب علامة على صحة كبرى بعبارة دولوز.. ومن بوابة تمايزه عن المحسوس من اجل اعادة توزيع الكلام والصمت والضجيج المرئي واللامرئي بعبارة جاك رنسيار…

المراجع :
ا————

ا(*) اculler, la littérararité in théorie littéraire,Presses universitaires de France,1989,p.31et p.33.

ا(**) بوشعيب الساوري، النص والسياق، دمشق، محاكاة للدراسات والنشر والتوزيع، 2013,ص11.
ا(*) محمد ابن مريسي الحارثي، « تأويل النص الادبي » مجلة علامات، المجلد العاشر، الجزء 38، ديسمبر 2000,ص77.

ا[1] – Didier julia, dictionnaire de la
philosophie, larousse, 1992,p113.

ا[2] -Dictionnaire critique, p527.

ا[3] – Wolfgang Iser, L’acte de lecture, théorie de l’effet esthétique, traduit de l’Allemand par Evelyne Sznycer, Bruxelles, éd Pierre Mardaga, 1985, p.55.

ا[4] – الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة 1964،ج1، ص307.

ا[5] – محمد بن عياد، مسالك التأويل السيميائي، وحدة البحث في المناهج التأويلية، كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس،2009, ص32.

 

النصّ:

 

ماهيَّة الحبّ

 

رقّ قلبها لِمشاهدة السّماء تحتضن البحر بانسجام رائع ،  وتوقِ العاشق للمعشوق وغفوة الأفقِ على صدر الماء، ورغم ما بينهما من مسافات  و اختلاف .

فمنذ تفتُّح ريحانتها، كانت تعتقد أنّ الحبَّ لا يُعَاشُ إلّا عميقا، بكل ذاك التوحش والاحتواء.

تعتقد أنّ اللّغة لم تُنصِفها حقا. فقد أعجزتها أيضا الموسيقى عن التغنّي به  . الحبّ  هبة ربانية تُقذف في القلب لِتأسره وترمي به في حدائق الجنّة الخالدة.. إحساسٌ يجمع بين كينونتين، يَسقي كلّ منهما  الآخر شهده حتى يكون له أليفا وحبيبًا . وهكذا وعند هذا الحدّ  يتوحّدان في روحٍ واحدة لتكتمل بهما الحياة  بتفاصيلها الجميلة.

الحياة جسد شبقي في لحظة عشقٍ وشجن. يحلّقان معًا في فضاء جنوني استثنائي حيث لا شروق ولا غروب وحيث تتوقّف عقارب السّاعة والزمن وتُبسط الأرض ملاءة سرير لِيعيش الإنسان الأبديّة على هذه الأرض.

جلستْ تراقبُ هذا العُرس الملائكيّ الجميل، وتتأمّل اللّون الأزرق يتراقصُ بغنجٍ فرحا بالعروسين. وكيف لا وهو يمثل تزاوِج الطبيعة  في أسمى تجلِّياتِها. رمقت الأفق بنظرة امرأة حالمة تستجدي عطف القدر من مشكاة الحياة.

آه ، لو أنّ عتمة أيّامها تُضاء،  فتطّلع على مثل هذا الاحتفاء الذي لن يُعكّر نقاءه اختلاف حتى لا تبكي السّماء يوما لثورة البحر ولن يجفّ البحر يوما  إذا جحدت السّماء  المطر  .

فجأة ، حلّق البُوم من جديد في فضاء فكرها الحائر ومشاعرها المبعثرة. صمت كلّ شيء فيها. وتثاءبت أنوثتها لتدخل في سباتٍ عميق حتّى أنّها لم تعد تسمع همس الطّبيعة من حولها. وتنكّر اللّون الأزرق أيضا  لِعينيها الممتلئتين بالدّموع.

لم يبق سوى سؤال واحد يطرُق بابها بإلحاح. ماذا لو كان الخطأ خطأها؟.

هل  تكون تلك الرّغبة الجامحة في الحبّ  قادرة على أن ترى النّور يوما ما ليصبح حلمها واقعا أو تظلّ  مجرّد وهم لن يزيدها إلا حزنا . هل نستطيع حقا ، نحن بني البشر،  أن نسكُب عطرا بهذا السحر ؟  أم خُلقنا فقط لنسكر به بين ثنايا الحرف وعلى وقع أحلامنا؟ ننظر إليه كطيف يُذْهب العقل ويضاعف دقّات القلب .فقط ، نرى الحياة ونعيشها كسراب ماء في صحراء قاحلة.، ورغم ذلك نتغنّى بها ونستجدي عطفها ونعيمها .

بقلم الأديبة التونسيّة وداد رضا الحبيب.

Leave a Comment

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.

*