كتب

قراءة في رواية “ستون” للكاتب عبد العزيز الغزال

بقلم مختار الورغمي

 

وأنت تتصفح ” ستون” يرهقك أسلوب عبد العزيز الغزال وتجد نفسك تلهث وراء البحث عن خفايا شخصيته مدفوعا بغريزة حب الاطلاع ومسكونا بمعرفة مآلات الأحداث. “ستون” ليست مجرد سيرة ذاتية بل كانت أيضا رواية متكاملة وهو ما جعل قراءتها من الصعوبة بمكان.

العنوان يطرح أكثر من سؤال. “ستون” قد تحيل إلى جيل الستينات وهو الجيل المؤسس للدولة الوطنية بما يحمله من قيم ومبادئ جعلته يشعر بالغربة في القرن الحادي والعشرين وربما يشعر بشيء من الجحود أيضا. ستون قد تحيلك أيضا إلى العمر الذي حددته الدولة للإحالة على شرف المهنة وهي محطة مهمة في تاريخ الإنسان تختلف تفاصيلها من شخص إلى آخر. يمكنك أن تختار القراءة التي تريد وفي الحالتين ستجد أمامك كما هائلا من التساؤلات التي قد لا تجد لها إجابات تشفي الغليل.

ستون هي رحلة الصادق التي تنطلق من مدنين وتعود إليها وبين الرحلتين مسيرة حافلة بالأحداث في جزيرة جربة. لم يكن سرد الأحداث خاليا من المواقف فقد تعمد الكاتب نثر مواقفه في الزوايا في شكل جمل مفاتيح تعطيك فكرة عن مواقف الرجل من مختلف القضايا الراهنة وقد حاول تأصيلها بذكر أمهات الكتب التي نهل منها.

وأنت تحاول التعرف على ملامح ” الصادق” يعترضك ثالوث مدمر هو الفقر/ الحب/ العادات والتقاليد. كان الفقر محركا رئيسيا للرحلة الأولى بحثا عن مورد رزق لعائلة كادت تضيع ولعل الكاتب هنا يذكرنا بسنوات الهجرة فبعض الأهل هاجر شمالا ” الهطاية” والبعض سافر إلى جربة وفي ذاكرتنا الجمعية قصص عديدة تؤرخ لتلك الحقبة. كان البطل واعيا منذ البداية بضرورة مقاومة هذا المارد ( الفقر) وأيقن أن المدرسة هي السبيل الوحيد للمقاومة وهنا يضعنا الكاتب أمام ماض جميل ( المسرح/ السينما/ القراءة…) وحاضر صارت فيه المدرسة مجرد محضنة .

تمكن الصادق خلال رحلته من التغلب على المارد الأول ولكن الثمن كان باهضا جدا.خلال الرحلة كانت قصة الحب الأولى مع سامية التي لفها الكاتب بكثير من الغموض . قصة حب ولدت لحظة شهامة حين خلص الصادق سامية من وحش آدمي حاول اغتصابها. لم يكتب لهذه القصة النجاح لأن الشرق يشترط العذرية وسام شرف دونه الموت. وضعنا الكاتب أمام شرق لا يملك من الشرف سوى الكلمات فأرضه مغتصبة وعرضه منتهك لكنه يحصر الشرف في بكارة امرأة كانت ضحية. لم يستطع الصادق التخلص من شرقه وركل حبيبته ذات ليلة قاسية ليدفعها إلى مصير بائس فقد رضيت بالزواج من رجل هو عابر سبيل في حياتها. قصة الحب الثانية قتلتها العادات والتقاليد هي الأخرى فهذا الشرق يعيش الحاضر بجلباب الماضي ورضي الصادق بزواج تقليدي ولكنه ظل يحمل جراحا بانت في ثنايا روايته.

لم تكن الرواية خالية من السياسة فقد تعرض إلى ملاحقة النظام للنشطاء وتعامله معهم وخوفه المفرط من النشاط التلمذي والطلابي . ولم يكن طرح قضية الأفغان العرب (زوج سامية) مسقطا فقد وظفه الكاتب ليعطي موقفا واضحا من هذه الظاهرة التي دمرت أسرا بأكملها.

اختيار الكاتب للأسماء لم يكن اعتباطيا . البطل الرئيسي هو” الصادق” والصادق من أسماء النبي عليه السلام أي أنه صاحب رسالة وفعلا كان صاحب رسالة فهو المربي من ناحية وهو المنقذ حين احتاجته سامية وهي في لحظات يأس.أما البطلة الثانية ” سامية” فقد اختارها من السمو وكأنه يحاول التكفير عن ذنب ارتكبه لما رماها دون تفكير.لقد كانت سامية فعلا حين واصلت رحلتها وحيدة ولم تخطئ الطريق وأحسنت تربية أميرة رغم مطبات الطريق.

في المخطوط علاقة حب بين الكاتب والمكان فجزء منه في الجزيرة التي عاش فيها حبه الأول وكلما عاد إليها أطنب في وصف تفاصيلها حتى جعلك ترى “مقهى حاجي” أمامك . الجزء الثاني مدنين وهي الأصل وفيها كان الراوي مؤرخا حين عرج على مقهى “المرشي” وما يحمله من رمزية دون أن ينسى رفيق دربه المرحوم محمد العوني وكأني به يكرمه بطريقته.

زمن الرواية كان مراوحة بين الماضي والحاضر في حالة اضطراب دائم ربما عكست حالة الاضطراب التي ميزت حياة البطل. واللافت للانتباه هو المراوحة بين الفجر والغروب فكم مرة اختار الكاتب الصباح بما يحمله من أمل ونور منطلقا للأحداث والمنطلق دائما في الجزيرة أما الغروب فهو نصيب مدنين. قد تكون العودة إلى مدنين ليلا هي رغبة في الستر فالليل يستر عيوبنا وكأني بالكاتب يلجأ إلى مدنين ليلا لتحتضن القصة برمتها وكله ثقة في أنها لن تبوح للغرباء بشيء.

ستون ليست مجرد سيرة ذاتية بل هي رواية كتبت جزءا من تاريخ مدنين بطريقة مغايرة أو هي شهادة على العصر بقلم عبد العزيز الغزال …مخطوط جدير بالقراءة الواعية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*