القيادي بالتيار الشعبي غسان بوعزي: في الرد على نور الدين العلوي

 

بقلم غسان بوعزي

القيادي في التيار الشعبي

 

«هناك مصالح للولايات المتحدة الأمريكية، مثل المحافظة على إسرائيل، يبدو أن لا سبيل للتوفيق بينها وبين أهداف الحركة القومية العربية. وينطبق نفس القول على المحافظة على سيطرة الغرب على بترول المنطقة والقدرة على استخدام القواعد العسكرية. وفوق ذلك فإن طموح عبد الناصر لا يقتصر على العالم العربي، فهو يعتزم القضاء على السيطرة الأوروبية على أجزاء من افريقيا … والأرجح أن يكون هناك صدام مستمر في المصالح بسبب تأثير النفوذ الثوري لعبد الناصر في مناطق أخرى من العالم الإسلامي..»

من تقرير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، عدد 58330/ بتاريخ 2 أوت 1958، تحت عنوان “القومية العربية بوصفها من العوامل المؤثرة في الوضع في الشرق الأوسط”

في خضم الصراع الدائر في منطقتنا، وتصاعد حدة المواجهة بين أطراف النزاع، تخرج علينا في كل مرة مجاميع الاخوان المسلمين ومن يدور في فلكهم ويأكل من فتات البترودولار لمهاجمة كل حر وشريف في هذه الأمة ممن أصر على مبدأ واختار نهجا مناهضا للهيمنة الغربية.

والحق أن جريمة الاخوان المسلمين ومن يتمسح معهم على عتبات شيوخ وأمراء الخليج، تجاوزت التآمر على شعوب الأمة العربية ومكتسباتها، لتصل الى حد اغتيال الوعي والمعنى.

ولقد صادفنا مقالا تحت عنوان “القوميين العرب في محرقة الديمقراطية”، هو مثال صارخ على ذلك. ورغم أن المقال هزيل جدا من ناحية المضمون، ومليئ بالمغالطات التاريخية والتعويم المفاهيمي، إلا أن ما جعلني أرغب في الرد هو ما تفجرت به قريحة كاتب المقال من مشاعر حقد وكره انبعثت من وسط كلمات لم يفلح صاحبها -أو أنه لم يرغب أصلا- حتى في إلباسها لباس التشخيص السياسي الموضوعي.

كتب صاحبنا يقول “حكم التيار القومي خمس أقطار عربية كبرى (مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا، ويمكن أن نضيف الجزائر) هي الآن أفشل الدول العربية اقتصاديا وسياسيا، رغم أنها باستثناء اليمن أغني الدول العربية بالمواد الطاقية”.

لقد سقط صاحب المقال في خطأ منهجي وخطيئة في قراءة التاريخ، فهو يرجع الفشل الاقتصادي الحالي لهذه الدول (“هي الآن أفشل الدول…”) الى أنظمة قومية انتهى حكمها منذ عقود.

ألا يعلم صاحبنا أن معدل نسبة النمو الاقتصادي في مصر بين سنتي 1960 و1965 بلغت 6.6% وهي نسبة قل نظيرها حتى بين دول العالم المتقدم في ذلك الوقت، وبشهادة البنك الدولي نفسه[1]؟

ألا يعلم أن ديون مصر التي خاضت أربعة حروب (حرب 1956 ضد العدوان الثلاثي وحرب اليمن و حرب 1967 وحرب الاستنزاف)، وشيدت المصانع والجامعات والمستشفيات وأنجزت واحدا من أكبر المشاريع التنموية في القرن العشرين (السد العالي)، لم تتجاوز 4 مليارات دولار سنة 1970 وهو العام الذي رحل فيه جمال عبدالناصر، وبشهادة البنك الدولي نفسه أيضا..؟

وتحت الحكم القومي، أممت مصر قناة السويس، وأقامت الإصلاح الزراعي بالقضاء على الاقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وأنهت كل بقايا الاستعمار البريطاني، وتحملت مسؤولية تشغيل الملايين من الشباب المصري، وذوبت الفوارق بين الطبقات، واتبعت سياسة خارجية مستقلة منحازة لثورات التحرر الوطني من كوبا الى فييتنام مرورا بالجزائر وافريقيا.

ألم يسمع أن القاهرة وقتها كانت عاصمة العالم الثالث بأسره، عاصمة حركات التحرر الوطني، عاصمة الكرامة العربية؟

أهو جهل أم تجاهل؟

ثم لنأخذ العراق مثلا، هل يلوم صاحبنا نظام صدام حسين على حال العراق اليوم؟ ألم يسمع بأسوأ وأقسى وأظلم حصار في القرن العشرين، ألم يرى أطفال العراق يموتون من الجوع والمرض في ظل ثلاثة عشر عاما من الحصار الأمريكي بغطاء أممي؟ هل كان العراق دولة فاشلة تعمها الفوضى وتنهشها الطائفية قبل أن تغزوها الولايات المتحدة وكان مركز عمليات العدوان يقع في قاعدة العيديد لدى أسياد صاحبنا في قطر؟

ألم يكن النظام الصحي في العراق من بين الأفضل في العالم؟ ألم تشرع بغداد في برنامج تصنيع مدني وعسكري طموح قبل أن يحطمه الغرب؟ ألم تكن بغداد مدينة علم وثقافة وفي جامعاتها درس وتخرج مئات الآلاف من الطلبة العرب دون أن يكلفهم ذلك قرشا وحدا بسبب منح الدولة العراقية؟

ودون أن نسيل مزيدا من الحبر، فإن الفكرة واضحة، لم تكن الدول القومية دولا فاشلة اقتصاديا وسياسيا على الاطلاق، بل العكس هو الصحيح.

إن الأوضاع الصعبة التي تعيشها هذه الدول العربية اليوم هي ناتجة إما عن انقلاب السياسات في عهود لاحقة مثل السادات في مصر والشاذلي بنجديد في الجزائر، وكلاهما تحالف مع الحركة الاخوانية واستعملاها ضد خصومهما في الداخل، وإما عن عدوان وغزو استعماري مباشر بمشاركة إمارات ومشايخ الخليج أساسا (العراق 2003، ليبيا 2011..).

نعم لقد كانت هناك أخطاء، ونعترف أن المسألة الديمقراطية كانت أكبر مساوئ الحكم القومي، ونحن اول من نقول بذلك، لكن الدول القومية كانت دولا حرة، ذات سيادة، ولا تنقصها ذرة كرامة، وهي قيمة لا يعرفها صاحبنا ومن على شاكلته. وحقيقة الأمر أن من جاء على ظهور الدبابات الأمريكية أو على أجنحة مقاتلات حلف الناتو من الدوحة والرياض وأبو ظبي ولندن وباريس وواشنطن يعدون بـ”الديمقراطية الليبرالية” لم يجلبوا سوى الخراب الذي يتباكى على أطلاله اليوم البعض، ويعتبره البعض الآخر “مخاض ثورة وحرية”!

ويبدو من بين سطور المقال أن كاتبه يلقي بمسؤولية العدوان الاستعماري على الدول نفسها التي تعرضت للعدوان والغزو! أي أن مسؤولية غزو العراق تقع على عاتق بغداد تحت الحكم القومي، وكذلك الأمر بالنسبة لليبيا، واليمن، وسوريا! يقول “..وقد انتهت كلها تحت وصاية أجنبية. هي في جوهرها احتلال عسكري يناقض كل لغو السيادة الوطنية والقومية التي صدع بها التيار القومي رؤوس الخلق منذ قرن تقريبا”.(!!)

أيتخيل كاتب المقال أن قوى الهيمنة ستحرك حاملات الطائرات والبوارج والصواريخ والجند والعتاد وتشن الحملات العسكرية ضد دول خاضعة بطبعها وفاقدة للسيادة وترزح تحت حذاء ساكن البيت الأبيض؟ طبعا لا. هي ستقوم باحتلال من يتحدى عجرفتها وسطوتها واملاءاتها، من يتمسك بسيادته الوطنية والقومية ضد كل محاولة للتطويع والاحتواء والاخضاع. وهي شهادة أن العواصم العربية التي تعرضت للعدوان كانت صاحبة قرارها، حرة في سياساتها، لا تخضع ولا تنحني لعواصم القوى الاستعمارية كما تفعل دول أخرى في المنطقة. أم أن صاحبنا يلقي باللوم على الحر صاحب السيادة في احتلال بلاده لأنه قاوم التبعية والخضوع والذل؟

وينهي الكاتب مغالطاته الهزلية في هذا الباب قائلا “حلقة مفرغة حكمت بالحديد والنار وانتهت الى بيع فلسطين” (!!)

دعونا نأخذ بشهادة العدو نفسه في هذا الصدد، فليس أعلم من العدو أحد بمن يقف معه وقد باعه فلسطين ومن يقف ضده وأقلق وجوده ومصالحه. والحق أن التصريحات والوثائق والأحداث التاريخية تملأ الدنيا طولا وعرضا لمن أراد أن ينظر فقط، وأن يدرك الحقيقة، ويعلم من مثل خطرا وتهديدا استراتيجيا على العدو الصهيوني ومصالح من يقف ورائه، ومن باع فلسطين وأخلص لأمريكا الولاء والطاعة، من بين أنظمة المنطقة ودولها.

لقد اعتبرت الولايات المتحدة، الراعي الأول للكيان الصهيوني، أن الحركة القومية العربية تشكل تهديدا استراتيجيا على مصالحها في المنطقة منذ سنة 1958، وكان تقرير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المقدم الى الرئيس “دوايت ايزنهاور” وقتها واضحا في القول أن”المحافظة على إسرائيل هي بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يمكن التوفيق بينها وبين أهداف الحركة القومية[2]، و هو ما دفع أمريكا للتخلي عن الخطة “ألفا” التي تقضي بغواية عبدالناصر واحتوائه و تعويضها بالخطة “أوميغا” التي تقضي بمواجهته. وشرعت واشنطن في البحث عن حلفاء، أو بالأحرى أتباع وأدوات لاستخدامهم في خطتها، وكان على رأسهاحكام السعودية وحركة الاخوان المسلمين. ومن وقتها لم تتوقف أمريكا ولا إسرائيل في محاولة تحييد عبدالناصر حتى عبر وسائل الاغتيال والقتل، ولم تكن حرب 1967 سوى حلقة في مشروع استهدافهم للحركة القومية العربية، ومن ناحيتها، لم تتوقف الرياض ولا أصدقائها من جماعة الاخوان المسلمين (حيث احتضنت السعودية الاخوان ودعمتهم وتحالفت معهم في ذلك الوقت، لأن مشغلهم الواحد أراد ذلك) في تكفير القوميين ومحاولة تخريب كل منجز ومكسب يتحقق للأمة العربية.

لم يكن وزير الحرب الصهيوني “موشي ديان” مخطئا عندما قال بعد وفاة عبد الناصر أنه “كان ألد أعدائنا وأكثرهم خطورة على دولتنا ووفاته عيد لكل يهودي في العالم”. وهذا الذي يتحدث عنه “موشي ديان” هو أبرز وأهم زعماء الحركة القومية العربية منذ نشأتها، وهي نفسها الحركة التي يقول عنها صاحب المقال أنها “باعت فلسطين”!

ثم لنأخذ مثالا آخر عن نظام قومي “باع فلسطين” حسب ادعاءات قتلة الوعي والمعنى.

لقد اعتبر العدو الصهيوني بعد توقيع اتفاقي أوسلو ووادي عربة أن العدو الأساسي والخطر الرئيسي المتبقي هو سوريا. كانت الدوائر الصهيونية تعتبر أن”سوريا تمثل تهديدا استراتيجيا لوجود اسرائيل[3]، وبعد تحرير جنوب لبنان في ربيع عام 2000، كان واضحا أن سوريا أصبحت فوق ذلك تلعب دور صلة الوصل أو المفصل الحيوي الرابط بين المقاومة في لبنان وإيران، وكلاهما من الأعداء اللدودين للكيان الصهيوني. وقد عملت إسرائيل فعلا على تحييد سوريا من حلبة الصراع العربي الصهيوني كما فعلت مع مصر السادات، لكن دمشق لم تقبل بالشروط الاسرائيلية للسلام، ورفضت الحل المنفرد، وتمسكت بدعم المقاومة وإسنادها ضد الاحتلال الصهيوني.

وفي ربيع 2003، ولم تكن قد مضت بضعة أسابيع على سقوط بغداد، توجه وزير الخارجية الأمريكي “كولن باول” الى دمشق، محاولا إملاء شروط الإمبراطورية الأمريكية على سوريا، وكان واضحا جدا في مطالبه، وكانت أساسا مطلبين اثنين، وهما كما عبر عنهما باول بالحرف في لقائه بالرئيس السوري “بشار الأسد”:

1- “نريد منكم أن تضعوا نهاية لأعمال الجماعات الفلسطينية الرافضة والموجودة لديكم في سوريا في دمشق، سواء أكانت حركة حماس أم غيرها من الموجودين هنا. أطلب منكم سيادة الرئيس اغلاق هذه المكاتب واخبار قادتها أن يجدوا مكانا آخر ليمارسوا نشاطهم فيه، وهذا سيرى على أنه إشارة إيجابية جدا من قبلكم ليس في المنطقة فقط بل في الولايات المتحدة أيضا[4]“.

2- “النقطة الأخرى التي أرغب في التحدث بشأنها، وطبعا قد بحثناها مسبقا وأعلم أن جميع الوفود التي أتت الى هنا قد طرحتها معكم سيادة الرئيس، هذه النقطة تتعلق بحزب الله. طبعا مازال لدينا بعض الإشارات التي تدل على أن دعم حزب الله مستمر من خلال شحن بعض المواد الى حزب الله عبر سوريا، ونريد أن نطلب منكم مجددا وقف هذا النوع من النشاطات.. حيث أوضحت الولايات المتحدة سابقا أهمية عدم التسبب بأي دمار أو اضطرابات على طول الحدود الشمالية لإسرائيل[5]“.

طبعا لم تقبل سوريا.

وعندما فهمت واشنطن أنه ليس باستطاعتها إخضاع دمشق وإحداث تغيير استراتيجي في سياستهاأقرت قانون “محاسبة سوريا” في 2004، وأطلقت ضدها حملة إعلامية شعواء، واتهمتها بدعم “الإرهاب”، ووجهت لها أصابع الاتهام في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق “رفيق الحريري” وحرضت ضدها أدواتها من اليمين المسيحي اللبناني وتيار المستقبل الذي يأتمر بأمر الرياض لتخرجها من لبنان تمهيدا لعدوان 2006، وعندما جاء الربيع العربي، شنت ضدها حربا مدمرة من حروب الجيل الخامس، باستخدام وكلائها في المنطقة، وأدواتها من الإخوان والوهابيين. كان من بين منظري الحرب على سوريا (الثورة من أجل الديمقراطية على حد تعبيرهم) في الشهور والسنوات الأولى قطر ورئيس وزرائها حمد بن جاسم، وهو نفسه الذي كان التقى في 1994 بوزيري الخارجية والطاقة الصهيونيين في لندن، في فاتحة عهد التطبيع بين الدوحة وتل أبيب. أي أن من بين الداعمين الأوائل للحرب على سوريا كانت إمارة رجعية استبدادية مطبعة تحتضن واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط!

إذن، فقد كانت سوريا من رفض بيع فلسطين، ودفعت ولاتزال تدفع ثمن موقفها. وكانت قطر، وغيرها من ممالك الخليج الرجعية، إضافة الى تركيا، هم من خدم الأجندة الصهيونية وباع فلسطين حقا، وكان التكفيريون والاخوان المسلمون ومن لف لفهم هم أدوات الحرب على عاصمة الأمويين التي رفضت الخضوع والتطبيع وبيع القضية.

ألا يكون بعد هذا، أن الجندي السوري الذي يقاتل بعقيدة قومية طوابير الإرهابيين والخونة على مشارف ادلب أشرف وأعز من يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وكل قادة الحركة الاخوانية.

فأي حرية وديمقراطية هذه التي يبشر بها في سوريا وليبيا واليمن وغيرها من الأقطار العربية من يتقاضى مرتباته من مركز الجزيرة الإعلامي أو من منظمات غير حكومية غربية، وهل يكون القوميين العرب غير ديمقراطيين لأنهم رفضوا ديمقراطية “هولاكو العصر” التي رأينا مثلها في العراق؟

في المقابل، فإن علاقة الاخوان المسلمين بالغرب تعود الى بداية الخمسينات، عندما رأت الولايات المتحدة أنه يمكنها استغلال الإسلام في مواجهة الاتحاد السوفيتي والأنظمة القومية في المنطقة[6]. ولم يعد الأمر خافيا بعد أن تم رفع السرية عن الوثائق البريطانية والأمريكية التي تكشف علاقة الإخوان مع أجهزة المخابرات الغربية للعمل ضد أوطانهم[7].

وقد عادت هذه العلاقة لتتجدد على إثر عودة المحافظين الجدد الى البيت الأبيض مع جورج بوش الابن في انتخابات عام 2000. فقد تبنت الإدارة الأمريكية الرؤية التي صدرت عن تقرير معهد راند للدراسات والأبحاث الاستراتيجية تحت عنوان “الاسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات” وأعدته الباحثة “شيريلبينارد” وهي زوجة “زلماي خليل زاد” الذي علا شأنه منذ كان يعمل بمكتب “بول وولفويتز” في وزارة الدفاع لتعينه واشنطن سفيرا لها في كابل بعد غزو أفغانستان، ثم سفيرا بعد ذلك ببغداد.

وترى الدراسة في “الاسلاميين المعتدلين” أو “الاسلاميين الحداثيين” حلا لعلاج الأزمة بين العالم الاسلامي والولايات المتحدة. حيث ينطلق التقرير من رغبة الولايات المتحدة والغرب عموما في رؤية عالم اسلامي يتماشى مع بقية النظام، عالما إسلاميا يتسم بالديمقراطية، بالقابلية للنمو، بالاستقرار السياسي وبالتبعية لقوانين ومعايير السلوك الدولي، وبالطبع فإن أهم شروط الولايات المتحدة التاريخية هي حماية أمن الكيان الصهيوني والمحافظة على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهي شروط أثبت أحفاد حسن البنا وسيد قطب أنهم أوفياء لها. ليصل التقرير الى ضرورة أن تتعامل واشنطن مع الاخوان المسلمين وتساند “المعتدلين” منهم مع محاصرة المتشددين والذين قد يضرون المصالح الامريكية بخروجهم عن السيطرة.

وفعلا بدأت الاتصالات، وتم الضغط على نظام حسني مبارك في مصر ليسمح بصعود عدد منهم الى البرلمان (كان ذلك عندما صعد 88 نائبا عن الاخوان في انتخابات عام 2005). وفي تونس، بدأت الاتصالات في نفس الفترة تقريبا، وكان من بينهااللقاء الذي رتبه رئيس مركز الإسلام والديمقراطية “رضوان المصمودي” وحضرته “سعيدة العكرمي” زوجة “نورالدين البحيري” الى جانب “صلاح الجورشي” و”زياد الدولاتلي” بتاريخ 15 أوت 2006، وفي هذا اللقاء نقل السفير الأمريكي طلب الحاضرين “إعادة فتح الحوار” مع واشنطن والذي كان قد انقطع بعد حملةالقمع التي شنها نظام بن علي بداية التسعينات، ووصفوا أنفسهم بأنهم “إسلاميون معتدلون”، تماما كما تريد واشنطن أن تسمع[8]. وتواصلت اللقاءات بين السفارة الأمريكية وقيادات حركة النهضة. فبعد أيام قليلة من اللقاء الذي احتضنه “رضوان المصمودي”، توجه مبعوثون من السفارة الأمريكية لمقابلة “حمادي الجبالي” في منزله بسوسة بتاريخ 30 أوت 2006، بعد أن تم إطلاق سراحه قبل ذلك ببضعة أشهر، وكان ملخص برقية السفير الأمريكي في تونس وقتها الى وزارة الخارجية تقول “حمادي الجبالي: الإسلام المعتدل هو المستقبل[9]، وفي تفاصيل اللقاء يظهر الجبالي وكأنه يقدم أوراق اعتماده لدى مشغله الجديد، ويطلب من الولايات المتحدة أن تضغط على نظام بن علي حتى يسمح لحركة النهضة بالنشاط، وأنهم ليسوا “راديكاليين” ولا “إرهابيين”، بل ان القمع و”الاستبداد هو الذي يولد الإرهاب”.(وهي حجة ومقولة نسمعها الى اليوم في تبرير الإرهاب والذبح والتكفير على طول الوطن العربي وعرضه).

وبعد انطلاق احتجاجات ما أصبح يطلق عليه بالربيع العربي، كشفت وزيرة الخارجية الأمريكية “هيلاري كلينتون” عن لقاءات تمت بين الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة “باراك أوباما” وجماعة الاخوان المسلمين ومنها اجتماع مهم جرى في إسطنبول في 27 ماي 2011 وحضره “ستيفن كابس” نائب مدير جهز الاستخبارات الأمريكي و “إليزا بوللر” من المخابرات البريطانية مع عدد من قيادات الاخوان منهم “كمال الهلباوي” و”همام عبد الرحيم سعيد” المراقب العام لإخوان الأردن، وجرى الاتفاق في هذا الاجتماع على التزام جماعة الاخوان المسلمين بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وعدم تهديد أمن الكيان الصهيوني[10].

ولقد طار “راشد الغنوشي” الى واشنطن بعيد فوز حزبه في أول انتخابات في تونس بعد ثورة 17 ديسمبر، وقابل هناك مسئولين أمريكيين وتم تنظيم لقاء مع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى المعروف بتوجهاته الصهيونية تعهد فيه الغنوشي بعدم التنصيص على تجريم التطبيع في الدستور التونسي الجديد[11].

فهل يريدنا أبناء أردوغان أن نكون كهؤلاء زوارا للسفارات الغربية ومتعهدين على المصالح الأمريكية وحماة لأمن إسرائيل حتى ندخل الى “نادي الديمقراطية” خاصتهم؟

أتكون الثورة من أجل الديمقراطية في أي قطر عربي منفصلة عن قضايا السيادة والمقاومة والعدالة الاجتماعية؟ إنه النموذج الجديد لثوار عصر الربيع العربي، أولئك الذين يرفعون السلاح تقتيلا لشعوبهم وتدميرا لأوطانهم، ويتداوون في مستشفيات الكيان الصهيوني شمال فلسطين المحتلة ويقاتلون تحت رايات حلف الناتو.

وفي ليبيا يقولون أن من لا يقف مع ميليشياتهم الارهابية العميلة فإنه بالضرورة يعمل مع الامارات والسعودية. لأنهم لا يملكون قرارهم ويشتغلون عند غيرهم،يعتقدون أن الجميع مثلهم. فالقوميون العرب يرفضون كل المحاور الرجعية، ولا يفاضلون بين المحور التركي-القطري والمحور الاماراتي-السعودي، فكلاهما يعملان لدى نفس المشغل الأمريكي. إن موقفنا كان منذ البداية رافضا للعدوان على ليبيا، عندما كانت الامارات وقطر وتركيا وحلف الناتو جميعهم شركاء في العدوان، فنحن لا نعترف بـ”ثورة” تجري تحت غطاء جوي أطلسي، عندها كانت ميليشيات الاخوان تقاتل تحت إمرة “برنارد ليفي”، الذي كتب كتابا يكشف فيه عن دوره ودور الكيان الصهيوني[12] في الثورة الليبية المزعومة. وهكذا، فإن أول الطريق لتصحيح ما حدث هو انهاء سيطرة الميليشيات العميلة على ليبيا ومصيرها، خاصة وأن هدفهم الذي يجري عليه العمل الآن هو تقسيم ليبيا وتفكيكها، في توافق مع كل الخطط الصهيونية والأمريكية لتقسيم الدول العربية الرئيسية.

إننا دعاة ثورة وطنية، تقدمية، اجتماعية، تبني دولا عصرية لا تحطم مكاسب شعوب الأمة على مدى عقود، وتنحاز للمقاومة وتتموقع في خندق مناهضة الهيمنة والاستعمار. أما أن نبيع ذممنا وكرامتنا ونرضى بالعمل لدى الأجنبي خدمة لمصالح العدو الصهيوني من أجل كرسي الحكم فذلك أمر محال. وهذا الموقف شرف للتيار القومي، لا يعرفه من ارتهن للدوحة وأنقرة وباقي عواصم الخليج.

[1]تقرير البنك الدولي رقم 870-أ عن مصر

[2]Special National Intelligence Estimate number 58330 / “Arab Nationalism as a factor in the middle east situation”

[3]كتاب السلام المفقود لدنيس روس ، المبعوث الأمركي في مفواضات “السلام” في الشرق الأوسط طيلة التسعينات

[4]محضر جلسة الأسد مع بأول في 3 ماي 2003 – “الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج، الحرب السورية بالوثائق السرية”، سامي كليب

[5]المصدر السابق

[6]تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي رقم 129 بتاريخ 7 أفريل 1952 بعنوان “أهداف الولايات المتحدة وسياساتها بالنسبة للدول العربية وإسرائيل”

NSA129 / “United States Objectives and Policies with Respect to The Arab States and Israel”

[7]يمكن مراجعة كتاب إيان جونسون “الاخوان المسلمون والسي آي إي والنازيون” وكتاب ماركس كورتس “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين”

[8]برقية السفارة الأمريكية الى وزارة الخارجية عدد 2155 بتاريخ 21 أوت 2006 / وثائق ويكيليكس

[9]برقية السفارة الأمريكية الى وزارة الخارجية عدد 2298 بتاريخ 6 سبتمبر 2006 / وثائق ويكيليكس

[10]كتاب الجيش و الاخوان للكاتب مصطفى بكري

[11]محضر اجتماع راشد الغنوشي في معهد واشطن لسياسات الشرق الأدنى بتاريخ 30 نوفمبر 2001

Tunisia’s Challenge: A Conversation with Rachid al-Ghannouchi

 

[12]La Guerre Sans L’aimer, Bernard Henri Levi

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0 Shares
Share
Pin
Tweet
Share