د.ناجي حجلاوي: كورونا والصيام

لمّا كانت لغة الوحي دقيقة فرّقت بين الصّوم والصّيام:
الصّوم امتناع عن الكلام “إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) سورة مريم الآية 26. والصّيام امتناع عن المفطرات ” ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ ” سورة البقرة الآية 187.
ولمّا نهض الدّين على الحرّيّة فإنّ الوحي خيّر النّاس بين الصّيام ودفع الفدية المتمثّلة في إطعام المسكين لذلك استعمل صيغة التّفضيل ” وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ .” سورة البقرة الآية 184. وقد انتبه بعض الدّارسين إلى أنّ فعل كتب في المصحف يدلّ، كلّما ذُكر على أكثر من اختيار: كُتب القصاص فكانت معه الدّيّة والعفو. وكُتبت الوصيّة فكان معها الإرث وكُتب الصّيام فكان معه دفع الفدية وكُتب القتال فكان معه المنّ والعفو، وقد خلط المفسّرون بين الفدية والكفّارة لأنّ الفدية بَدَلٌ وعِوَضٌ. وأمّا الكفّارة فتكون بعد إثم.
والذّين يطيقون الصّيام هم الذّين يتمتّعون بطاقة عليه، وهم حسب عبارة الزّمخشري: هم الذّين لا عذر لهم إن أفطروا. الكشّاف، ج 1 مكتبة مصر ومكتبة سحنون، تونس، ص 206. وأمّا الطّبري فقد أورد عن ابن عبّاس أنّه قال في هذه الآية هي للنّاس اليوم قائمة. الطّبري، جامع البيان، مج1، دار السّلام، ط2، 2007، ص900. والذّين قالوا إنّ هذه الآية منسوخة بالآية:” فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”. سورة البقرة الآية 185، يواجههم السّؤال التّالي: كيف كان صيام الذّين يطيقونه إذا لم يكن عبر مشاهدة الشّهر؟ علما بأنّ الممارسة الدّينيّة حوّلت عبارة يطيقونه إلى: لا يطيقونه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

32 Shares
Share
Pin
Tweet
Share32