51404724 673612019742393 4667072679726022656 n
تحليل, ثقافة, مقالات وأراء

د.أم الزين بن شيخة المسكيني :المثقف ما بعد الماركسي

« إنّ نظرية ما .. هي مثل علبة مفاتيح، ينبغي أن تصلح لشيء ما » دولوز ـــ وأنت تجلس ليلا إلى شاشتك الخاصّة في غفلة من المتطفّلين النهاريين على ليلك الصغير، تداهمك وجوههم: « محلّلون سياسيون »عارفون بحال البلاد، كم فيها من مكتب انتخابي.. وكم من صندوق اقتراع.. وكم عدد القتلى في سورية والعراق وليبيا وغزّة.. وكم ضحايا الثورات العربية.. ثورات الأجندات المافيوزية والخرائط المفبركة والدول الكرتونية.. هذا الرهط من البشر هم « المثقّفون ».. لكن أيّة فكرة للمثقّف يحملون؟ إلى أيّ نمط من سياسة الثقافة ينتمون؟ هل انتهى مثقّف السلطة كي يترك مكانه لمثقّف الأحزاب؟ هل انتهى المثقّف التنويريّ والمثقّف العضويّ وبدأ عصر « المثقّف الداعية ».. ومثقّف الجمعيات.. ومثقّف الدعايات؟ بين المثقّف وفكرة الثورة ثمّة أكثر من تواطؤ: ثمّة جلد للمثقّف بتهمة التواطؤ.. وثمّة أيضا ادّعاء « المثقّفين » بأنّهم يفهمون ما يحدث أكثر من اللازم.. لكن فكرة المثقّف هي نفسها إنّما هي فكرة ثورية ماركسية بامتياز: زرعها ماركس في الأطروحة الحادية عشرة من أطروحات ضدّ فيورباخ: « لم يفعل الفلاسفة إلى حدّ الآن غير تفسير العالم، آن الأوان لتغييره ».. ثمّ استأنفتها روزا لكسمبورج بجعل الثورة مسارا جماهيريا عفويا يصاحب فيه المثقّف حركة الجماهير دون أن يكون وصيا عليها .. ثمّ وقّعها جرامشي بشكل مميّز في مفهوم المثقّف العضويّ الملتزم بقضايا المظلومين والمضطهدين .. لكن يبدو أنّ تغيّرا في بنية السلطة وفي سياسة الحقيقة دفع بميشال فوكو إلى افتراع مساءلة مغايرة لمفهوم المثقّف ما بعد الماركسي: أي ما بعد ثوري.. في زمن لم تعد فيه فكرة الثورة الماركسية الفكرة الوحيدة القادرة على تفسير ما يحدث.. في هذا المقال رصد لأهمّ التجديدات الحاسمة التي وقعت في القرن العشرين على العلاقة بين المثقّف والثورة في إطار تجديد الترسانة الماركسية من أجل تحريرها من شوفينية الأحزاب ومن فاشية الوصاية على تاريخ الشعوب. فالتاريخ مسار عفويّ مفتوح على اللامتوقّع والممكن اللامتناهي، وهو مسار دون ذات، لذلك لا أحد بإمكانه الادّعاء بأنّه يمتلك أسرار ما سيحدث.. فالمستقبل أكبر من حجم المؤامرات والشبكات الضيّقة وصنّاع الشرّ الجذريّ والموت المجاني .. ففي حقل الحريّة تنبت كلّ الورود الجميلة.. 1) الثورة مسار عفويّ مفتوح على نضالات الجماهير: وهو التجديد الأول لفكرة الثورة ذاتها وقد قامت به روزا لكسمبورج (1870 – 1919) كأوّل من بدأ بتجديد الفكر الماركسي ضدّ أرتودكسية الحزب الشيوعي في روسيا وضدّ بعض أطروحات لينين وتروتسكي. روزا هي مناضلة ومنظّرة ماركسية ووجه من الوجوه الثورية الأممية ومن المؤسّسين لحلف سبارتكيس، وهو العبد الروماني القديم، أوّل محارب تاريخي للعبودية منذ سنة 71 ق.م. وروزا هي أوّل من أعاد قراءة تصوّر ماركس لرأس المال في دروسها حول الاقتصاد السياسي (1907).. وبالنسبة لها إذا كان ماركس وإنجلز قد اشتغلا على رأس المال فإنهما لم يشتغلا رأسا على الظواهر الاقتصادية وبالتالي تطرح على نفسها تجاوز ماركس في أمر أساسي: إنّ السؤال الذي كان يشغلها ليس « كيف يشتغل رأس المال؟ » بل « كيف تشتغل الرأسمالية ؟ ». وروزا هي من مؤسّسي الحزب الشيوعي الألماني وهي أوّل رمز ماركسي وقع اغتياله « بعد أسبوعين من تأسيس الحزب » في برلين بتاريخ 15 يناير 1919. وروزا هي أوّل مناهضة لكل نزعة قومية، وحدها ثورة اشتراكية أممية يمكنها أن تضع حدّا لكل أشكال الهيمنة أو التمييز بين البشر. كانت دوما تدافع عن فكرة الثورة لا بوصفها حكرا على بلاد أو على شعب بل بوصفها مسارا أمميا عالميا.. وبالنسبة لها لا ينبغي على الثورة الروسية أن تبقى معزولة بل ينبغي أن يقع تصديرها إلى أوروبا لا عبر السلاح بل بالمراهنة على وعي البروليتاري الأوروبي. روزا دافعت عن فكرة الثورة ضد واقعة الحرب وعن الارتقاء بوعي العمّال ضدّ التدخّل المسلّح وعن إضراب الجماهير ونضالاتها السلمية ضدّ تسليح البروليتاريا. فالمسار الثوري هو حركة جماهيرية عفوية يلعب فيها الحزب دورا مهما لكن دون أن يكون وصيّا على الطبقة العمّالية. وتعتبر أطروحتها عن عفوية المسار الثوري من أهمّ التجديدات التي أدخلتها على الماركسية. وقد كتبت قبل شهر من اغتيالها ما يلي: « إنّ الثورة البروليتارية لا يمكنها أن تدرك الوضوح والنضج إلا بارتقائها خطوة خطوة، ودرجة درجة « هضبة » غلغوتا المُرّة « هضبة غلغوتا هي هضبة خارج القدس حيث كان الرومان يصلبون المدانين » مرورا بهزائم وانتصارات عديدة (1).. » لقد دافعت روزا عن عفوية المسار الثوري ضدّ الحتمية الماركسية وإمكانية التنبؤ بالتاريخ وقدرية قوانين المادية التاريخية. إنّها تدافع عن فكرة النضالات الجماهيرية المفتوحة على الممكن واللامتوقّع. وتعتبر فكرة إضراب الجماهير واكتساح الشعوب للركح العمومي من أهمّ تنويعاتها على الفكر الماركسي.. فهي لا تؤمن بالبروليتاريا كطبقة عمّالية فحسب بل تؤمن بالشعب وبالجماهير كشكل من الذاتية السياسية التي تملك جيّدا المسار الثوري دون الخضوع إلى نفوذ الحزب أو وصاية الزعماء السياسيين. ضدّ فكرة العنف والقطيعة والمركزية الحزبية وفكرة تسليح العمّال تعتقد روزا أنّ الثورة ليست حمّام دماء وأنّ كل من يختزل الثورة في العنف الثوري إنّما يسجنها ضمن تحليل عسكريّ يؤدّي دوما إلى النفوذ والطاعة وإلى فكرة جماهير موحّدة ومنضبطة وهي عبودية الهيمنة داخل مشروع التحرر. إنّ الشرارات الثورية حينما تنطلق إنّما تكون دوما متعدّدة ولامركزية ولا متوقعة معا. وبدلا عن أن تكون الثورة نتاجا لمخطّط نظريّ خطّي بارد يقع تنفيذه وفق خطة جاهزة، يتعلق الأمر بما تسميه روزا متحدّثة عن الثورة « قطعة حياة حقيقية من لحم ودم ». فالثورة هي ذلك الحماس الجماهيري والفرحة العارمة والأغنيات والأصوات التي تحرّر الأوجاع وتنثرها أحلاما في قلوب المقهورين..بل كلّما اجتمعت الجماهير على ركح ثوريّ بدأت على الأرض حياة جديدة. 2) إنّ التاريخ مسار دون ذات: وهي أطروحة ألتوسير « 1918 ـــ 1990 » الفيلسوف الفرنسي الذي اقترح تجديد الفكر الماركسي انطلاقا من الاستفادة من حقول أخرى كالبنيوية والألسنية والتحليل النفسي. ما أنجزه ألتوسير هو توسيع لنظرية رأس المال بمراجعته مفهوم فائض القيمة وقد اشتهر ألتوسير بخاصّة بالتنظير لمفهوم القطيعة الابستمولوجية.. وعُرف بكتابه « قراءة رأس المال »ونصّه حول « الأيديولوجيا والأجهزة الأيديولوجية للدولة ». ونظّر في نهاية مؤلّفه لما سمّاه « مادية غير دائمة » قائمة على نقد للطابع الغائي والأرثذكسي للماركسية. ومن أجل تجديد الفكر الماركسي نشّط ألتوسير الخطّ الفلسفي السابق على ماركس وخاصة سبينوزا. من أهمّ تجديدات ألتوسير هو الفصل بين الأيديولوجيا والعلم وذلك ضدّ كل التصورات الحتمية للماركسية. يدافع ألتوسير عن قطيعة ابستمولوجية بين ماركس الأوّل « مخطوطات 1844 » وماركس الثاني « الأيديولوجيا الألمانية ورأس المال ».. لقد كان هدف ألتوسير من قراءته لماركس هو تحرير الجانب العملي العميق للماركسية من التأويلات الأيديولوجية ومن أيديولوجيا الدولة الستالينية. ما يطلبه ألتوسير من الماركسية هو تحرير القدرة على الخلق والتحليل والطابع الأصيل والثوري والمجدّد داخل هذه النظرية. لقد كان ألتوسير يدافع عن ماركس ضدّ كل الخبث والمكر الذي ألحقه التأويل اللينيني والستاليني به. 3) هابرماس وإعادة بناء المادية التاريخية: « بعد ماركس » (2) هو العنوان الذي ارتضاه هابرماس للترجمة الفرنسية لكتاب كان قد صدر له في ألمانيا سنة 1975 تحت عنوان « إعادة بناء المادية التاريخية ». وهو في الحقيقة عنوان الفصل الثاني من الكتاب. وفي هذا الفصل يتّخذ هابرماس من النظرية الماركسية موضع اهتمام مباشر. يقول هابرماس: « يتعلّق الأمر هنا بمحاولات مختلفة لصياغة برنامج نظري أعتبره » إعادة بناء للمادية التاريخية.. إنّني لا أولي لماركس وانغلز اهتماما ذا طبيعة دغمائية ولا فقهية لغوية ولا تاريخية.. إنّ إعادة البناء التي تهمّنا هي أن نفكّك النظرية وأن نعيد تكوينها في شكل جديد.. إنّها الصورة العادية.. لمعالجة نظريّة يجب أن تكون محلّ مراجعات حول عدّة نقاط، كما أنّ طاقتها التحفيزية لم تُستنفد بعدُ « (3). ما تبقى من الماركسية هي فقط « طاقتها التحفيزية ». ما عدا ذلك ثمّة هشاشة وغموض في الأساس المعياري الماركسي الذي بقي يعوّل على »الادّعاءات الأنطولوجية للحقّ الطبيعي الكلاسيكي ». إضافة إلى ذلك أنّ تعويل ماركس على مجرّد قلب للجدلية الهيجلية لا يكفي لتحرير الجدل من طابعه المثالي و الصوفي. أنّ أكثر ما يعيبه هابرماس على الماركسية هو هشاشة نظرية الانعكاس وعدم اكتشاف البعد التواصلي للغة. يقول هابرماس « تظلّ الثقافة ظاهرة خاصة بالبنية الفوقية وإن بدت تلعب دورا أكبر بكثير من ذلك الدور الذي توقّعه غالى حدّ الآن الماركسيون » (4). لم تستطع الماركسية في كل الألحان الاشتراكية التي لها أن تبني اتيقا فلسفية لأنّها أهملت البعد التواصلي للغة وقيمة الفنّ بوصفه طاقة على التحرر..وهو ما يصرّح به هابرماس قائلا: « لا يمكن تجاهل حقيقة الطاقة النقدية للفن ولا كونه يحرّر اليوم الطاقات التي تستحوذ عليها الأشكال المدمّرة للثقافات المضادّة »(5). تبقى الماركسية إذن لدى هابرماس على حدّ عباراته في الفصل الثاني من الكتاب « مجرّد دلالة كشفية تساعد على أن تبيّن ضمن عرض منهجي للتاريخ ما كان سيظلّ تقليدا سرديا ». 4) فوكو والمثقف ما بعد الماركسي: سُئل الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال فوكو (1926 ـــ 1984) في مقالة تحمل عنوان المهمّة السياسية للمثقّف(6) (1984): « هل بوسع المثقّف اليساري أن يفعل شيئا بوصفه فاعلا وبوصفه الوحيد القادر على الفعل داخل حراك اجتماعي » فأجاب: « إنّ تدخّل المثقّف بوصفه معلّما أو صاحب رأي إزاء اختيارات سياسية، هذا الدور، أعترف بأنّي لا أتبنّاه، إنّه لا يلائمني.. إني أعتقد أنّ الناس ناضجون بما يكفي كي يقرّروا من ينتخبون.. » بهذا الكلام يوقّع فوكو نهاية المثقّف الذي بشّر به القرنان الثامن والتاسع عشر الذي ينوّر الناس ويرشدهم الى طرق التحرّر.. فإنّ مفهوم المثقّف العضوي لغرامشي، الذي صار أيقونة في الاستعمال المعاصر، وإن على نحو مختلف تماما، قد استأنف مقولة المثقّف الكوني المطالب حسب عبارات فوكو « بالاقتراب من الجماهير والعمل وسط المواقع الدقيقة للحركات الاجتماعية ». هكذا صار علينا، حسب فوكو، أن نميّز بين مقولتين للمثقّف: الأولى، انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية، أمّا المقولة الثانية فبدأت بعدها. إنّ المثقّف الكونيّ الذي كان يدّعي استعمالا حرّا لعقله من أجل نشر الوعي بين الناس، هو تصوّر بريء أكثر من اللازم، أي هو تصوّر أقلّ من حجم ما وقع في ضمير الإنسانية من فظاعات القرن العشرين. أمّا المثقّف الخصوصيّ أي المثقّف في المعنى السياسي وليس في المعنى الحِرفي، فإنّه المثقّف الذي يستعمل معارفه وخبراته في النضال السياسي. وذلك يعني أنّ ما يحدث للشعوب اليوم يحتاج إلى « مناضلين محلّيين حول حقوق دقيقة ». يقول فوكو « إنّ المشكلة السياسية الأساسية للمثقّف ليست نقد المضامين الأيديولوجية.. إنما معرفة ما إذا كان بالإمكان بناء سياسة جديدة للحقيقة. إنّ المسألة لا تتعلّق بتغيير « وعي » الناس، أو ما يدور بأدمغتهم، إنما تتعلّق بالنظام السياسي والاقتصادي والمؤسّساتي لإنتاج الحقيقة ».(7) كيف بوسع المثقّف بناء سياسة جديدة للحقيقة مغايرة لسياسة السلطة التي تحاصر الحقيقة من كل صوب؟ أمام المثقّف إذن خياران لا ثالث لهما: إمّا هو ملتزم بما يحدث من سياسات للعقل في بلاده، وإمّا فهو مثقّف مزيّف، كلب حراسة لحكومات كرتونية أو أجير لدى أجندات مافيوزية. وهو في كل الحالات أسير سياسة ما للحقيقة هو مطالب بأن يساهم في رسمها بشكل يناسب فكرة الثورة. قال ادوارد سعيد ذات مرّة: « إنّ السياسة في كلّ مكان ولا يمكن للمثقّف أن يفلت منها ». وذلك يعني أنّ مقولة المثقّف المحايد لا معنى لها لأنّ » نظرية ما هي مثل علبة مفاتيح.. ينبغي أن تصلح لشيء ما » (دولوز) وإلاّ فلا فائدة منها. يقول بروست: « تعاملوا مع كتابي مثلما تتعاملون مع نظّارات لو لم تكن ملائمة لكم اتّخذوا لأنفسكم نظّارات أخرى ». ليس المثقّف ما بعد الماركسي إذن صانعَ توافقات أو وسيطا عقّاريا بين أحزاب وأيديولوجيات إنّما هو صوت المظلومين والصامتين والمهمّشين. ويذهب فوكو إلى أنّ مفهوم المثقّف نفسه صار مفهوما عائما وغامضا وأكثر من ذلك ليس ثمّة مثقّف، ثمّة دوما خبراء وكتّاب وأكاديميون.. بل إن ما بقي في ضمائر الناس من مفهوم المثقّف هو فقط جملة من الأحكام المسبقة حوله.. أحكام يلخّصها فوكو في عبارة واحدة: « أنّ المثقّف هو المذنب »، أي هو مذنب حين يصمت ومذنب حين يتكلّم ومذنب حين يكتب ومذنب حين يستقيل. ليس المثقّف دبلوما جامعيا أو ترقية حكومية بل هو مختبر حقيقي ووعدٌ بإبداع أشكال أخرى من الحياة. هكذا يعبّر فوكو عن مهمّة المثقّف قائلا: « انّها النضال ضدّ مسلّماته.. لا من أجل أن يبدو المثقّف غريبا في بلاده. ولكن من أجل أن ندرك كم بلادنا غريبة عنّا وكم أنّ ما يحيط بنا ويبدو كأنّما هو مشهد مقبول هو في الحقيقة نتاج سلسلة من المعارك والنضالات وأشكال الهيمنة والمسلّمات الثقيلة « . * من موقع الأوان الثقافي

Leave a Comment

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.

*