Capture 42
رأي, مقالات وأراء

خطاب المشيشي: فشل اتصالي ذريع يعمّق فشله وحكومته في كل المستويات

أخبار المواطنة – رأي: 

بدا رئيس الحكومة هشام المشيشي خلال الكلمة التي ألقاها مساء أمس الثلاثاء 19 جانفي 2020 مرتبكا إلى حد بعيد، غير قادر على توليد أفكار غير تلك التي حددتها ورقة الخطاب، وجعلته عاجزا على التركيز في الكاميرا وفي أعين المشاهدين ليسجل فشلا ذريعا شكلا ومضمونا.

خلل تواصلي يحاكي حجم الرهبة التي تخالج المشيشي وحزامه السياسي الخاضع له تماما والمتمسكين معا بالسلطة ويبدو أن ذلك بأي ثمن كان حتى ولو كان اجترارا مجازيا لخطاب بن علي قبل أن تطيح به الجماهير الغاضبة، رهبة من أن يحدزا نفس المصير في نهاية المطاف ما دامت السياسات واحدة والفشل واحد.

رئيس الحكومة لم يقل شيئا في كلمته، لم يبرّر التعاطي الأمني غير المفهوم مع التحركات السلمية في العاصمة مثلا رغم أنها سبقت خطابه بسويعات قليلة، أعاد على مسامع التونسيين ما سبق أن قاله خلال اجتماعه بقيادات أمنية يوما قبل الخطاب من تجريم لعمليات النهب والخلع كأنه لا يدرك أن جميع التونسيين أدانوا قبله تلك المظاهر.

رئيس الحكومة إداري التكوين ولا علم له بمناهج الخطاب ولا بأبجديات الاقتصاد السياسي قد يكون من الإجحاف أن ننتظر منه فهم أنّ ما تعيشه تونس اليوم هو نتاج لانحدار مستوى الخطاب والفعل السياسي ونتاج حتمي لرداءة أداءه وأداء سابقيه.

لم يدرك المشيشي ولا حتى واضعو نص كلمته أن ما يعتمل في الشارع التونسي يعدّ تعبيرة غاضبة ضد تنامي منظومة الفساد والاقتصاد الريعي والتفاوت التنموي والاقتصادي، والمال السياسي الفاسد والإفلات من العقاب عبر التشريع والمحاباة، في ظل غياب الحلول وانسداد الأفق…. تعبيرة غاضبة عن الإحساس بالإقصاء من قطار النمو وعدم امتلاك الوطن والإحساس انه لم يبق الا الشارع والغضب للتعبير.

لم يستطع أيضا ان يتذكّر أن التحركات التي أطادت برأس النظام في أواخر 2010 بداية 2020 كانت تنطلق ليلا في الأحياء بمنزل بوزيان والمكناسي والرقاب والقصرين وتالة لتتوسع على نفس الشاكلة في مختلف مناطق البلاد… عليه تذكر ذلك جيّدا خاصة وأنه يصرّ على أن يتكلم بصفة المدافع عن “الثورة” ومكاسبها إن وجدت.

خطاب رئيس الحكومة المكتوب والمرتبك أوقعه في فخ استغباء المتلقي والتعويل على غياب الفهم والوعي لديه ليحوّل الشعارات والمطالب التي رفعها المحتجون السلميون وغير السلميين إلى أحلام سيعمل هو بما راكمته حكومته من فشل على تحقيقها، غير مدرك أن ما يرفعه المحتجون اليوم هو نفسه ما رفع قبل سنوات وأن كل سابقيه قالوا نفس الكلمات لكن الشيء الوحيد الذي جعله يتناقض حدّ استحالة قبول وعوده هو أنه إلى جانب كونه رئيسا للحكومة يقوم بمهام وزير الداخلية بالنيابة وبأوامره تمّ الاعتداء على المحتجين دون تمييز بينهم.

ففي مسرتين سلميّتين بالعاصمة تفنن المؤتمرون بأمر المشيشي في تعنيف جرحى الثورة وعائلات شهداء وعدد من مسانديهم من مناضلين سياسيين وحقوقيين أغلبهم كان في مقدمة المحتجين أيام الجمر ولولاهم ما كان ليكون وزيرا أو رئيسا للحكومة أولا قبل أن يطلقوا العنان للغاز المسيل للدموع في مواجهة المحتجين بشارع الحبيب بورقيبة لاحقا وهم من الطلبة والمحامين والسياسيين بل وحتى من نواب الشعب ذنبهم الوحيد أنهم خرجوا كعادتهم رفضا للحيف السلطوي وللفشل الذريع له ولفشل سياسته في توفير الأدنى من الكرامة، الأدنى ممّا يخجل متحدث باسم الثورة مثله من عدم توفّره.

وممّا لا شك فيه أنه لا اختلاف مع رئيس الحكومة في ضرورة تطبيق القانون على السراق والمخربين، لكن على حكومتة أن تنطلق أولا من تحديد المسؤوليات في ما يتعلق بالتمويلات المشبوهة للانتخابات ومآل أموال القروض وملف الجهاز السري لحركة النهضة وكملفات الاغتيالات السياسية وقضايا الفساد والتهرب الضريبي إلى جانب النظر في ملفات الوزراء الذين يقترح تنصيبهم والمورّطين جزائيا في ملفات فساد.

في النهاية، لم يكن خطاب رئيس الحكومة سوى حلقة جديدة من حلقات الفشل الذي رافق حكومات ما بعد 14 جانفي 2011 بسبب سياساتها البعيدة كلّ البعد عن طموحات التونسيين والتي لا تصب إلا في بوتقة العمل على التمسّك بالسلطة والارتهان للجهات المانحة ومزيد إقصاء التونسيين بل والانقلاب على آخر ما تحقّق في 2011 ألا وهو هامش صغير من حرية التعبير.

هذا دون الخوض في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي ما فتئت تتراجع وتتردّى من بطالة ونسب فقر وغياب للتنمية ومديونية فضلا عن الفشل والارتجالية في مواجهة تفشي خطر وباء كورونا في البلاد.

حمزة حسناوي

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*