Politique - Islam politique
مقالات وأراء, تحليل, رأي

تأملات في تجربة الإسلام السياسي … تونس نموذجا ..!

أخبار المواطنة: مقال رأي:

بقلم صالح بن سالم / مدنين

على مدى عقود من الزّمن ونحن نسمعهم يقولون إن الإسلام هو الحلّ، وعندما سنحت لهم الفرصة ليحكموا، وجدنا أمامنا منظومة فاشلة لا تمتّ للنجاح بصلة – ليس بسبب الإسلام – بل لأنهم نموذج حقيقي للفشل المزمن، حيث أنهم إعتبروا اعتلاء سدّة الحكم فرصة لا تعوّض للتّمكين للجماعة، و ليس لخدمة الوطن شعبا و أرضا و ثروات وسيادة، فانهارت الدولة و سقط الشعب في هوة سحيقة من اليأس و الفقر والبطالة والمرض، أصبحوا بذلك عائقا طبيعيا أمام أي نجاح محتمل لتونس في مسارها الديمقراطي، سطوا على ثورة شباب تونس و سرقوها في وضح النهار، إنحرفوا بمسارها إلى طريق آخر لا يمت بصلة إلى شعارات الثورة الرئيسية (شغل، حرية، كرامة وطنية…) ، وجهوها إلى مسائل هووية، قسموا الشعب إلى مؤمنين وكفار، خوارج وأنصار…!
جاؤوا بفكر طوباوي يحلم بإقامة الخلافة الإسلامية، فكر تجسد خارج المجال الوطني في مؤسسات متخلفة مستبدة تقهر الإنسان وتقتل كل إمكانية للإلتحاق بالمدارات الكونية، إحتلوا مساجدنا وكونوا نواة لمجتمع مواز باسم الدعوة إلى الدين والأخلاق الحميدة ، استعملوا الجمعيات والدروس الدعوية بالمساجد والخطب المنبرية للوصول لمآرب أبعد ما تكون عن الدين، إضافة الى الجامعات و داخل العائلات التي قسموها إلى مؤمنين وكفار ومتحجبات و سافرات متسترين بالدين باسم الرب وشريعته ، هاجموا إتحاد الشغل،
وعادَوْا قياداته و قواعده، عملوا على التغلغل فيه وتخريبه من الداخل لتحويل وجهة الصراع الاجتماعي، وحين فشلوا، كونوا نقابة إسلامية موازية هرولت إليها شرذمة من أتباعهم من عمال القطاعين الخاص والعام، عملوا على اختراق أجهزة الدولة وسكنوا مفاصلها الحساسة، مثل وزارة الداخلية ووزارة الدفاع وغيرها من الوزارات السيادية، شددوا قبضتهم على رقاب معارضيهم من خلال سيطرتهم على الجهاز القضائي، تمكنوا من شل البلاد والعباد والإقتصاد واستكرشوا واستثروا في زمن قياسي، تغيرت ملامحهم وعقاراتهم وسياراتهم وتذوقوا ملذات من سبقهم فتعلّقت هممهم بالسلطة والنفوذ معتبرين البلاد غنيمة وهبتها لهم العناية الإلهية، لهم مغنمها وعلى الشعب مغرمها، فشلوا في الحفاظ على نقاوة الإنتماء للإسلام بما يعنيه من استقلاليّة وعزّة وكرامة و ندّية تجاه الأمم المتقدمة ومن توفير للسّكينة والطمأنينة، لم يستبطنوا من الدين إلا التّحريم و التّكفير، لم يتقنوا إلا الخراب فالبناء يربكهم، يعتقدون أنهم بتخريبهم للدنيا يعمرون الآخرة على نهج الفكر السلفي، بل إنهم لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية، لأنّ الديمقراطية ليست مجرد شكليات بقدر ما هي إيمان عميق بقيم المواطنة الحقّ على أساس الحقوق والحرّيّات الجماعيّة والفرديّة دون قيد انتماء أو شرط هويّة.
لا ينظرون إلى الآخر المختلف إلا بعين الإرتياب والإقصاء والإستبعاد، يدّعون الثورية و الطّهورية وهم الذين قبلوا، وبدون أدنى تحفظ، بالشروط الأمريكية الثلاثة للوصول لسدة الحكم :
1/  التطبيع مع الكيان الصهيوني
2/  الإنخراط في نظام السوق العالمي
3/  والقبول بهيمنة صندوق النقد الدولي على المالية و الإقتصاد.
منذ لحظة تسلمهم السلطة، إنطلقوا في تنفيذ خطة معدّة بإتقان لتفتيت الهوية التونسية و تدمير الدولة الوطنية للرجوع بها إلى ما قبل الدولة، وتسهيل الإنتقال إلى دولة الخلافة الموهومة …!
عشر سنوات كانت كفيلة أن تقصم ظهر تونس، ومن قبلها ليبيا وسوريا والسودان والعراق والصومال وأفغانستان…..، وتنهيها اقتصاديا وسياسيا، وأن تبرهن للعالم أن : الإسلام السياسي همّ عالمي مقيم.

التيّار الإخواني لا يملك في الواقع أيّة حلول عمليّة، فهم يرون أن أيّة مشكلة سببها إمّا المعارضون الذين هم أعداء الإسلام وحلّها الجهاد في سبيل الله للقضاء عليهم، أو أنها إبتلاء من اللّه و في هذة الحالة علينا بالصبر و الدّعاء للحاكم وتقبيل الأيادي المرتعشة !!
لم أقرأ جملة أدقّ وصفا من تلك التي كتبها المفكر ثروت الخرباوي القيادي المنشق عن جماعة الإخوان في مصر ومؤلف كتاب “سر المعبد”، حيث يقول مخاطبا أولئك الذين يعتقدون أن الإخوان جماعة ملائكية نورانية : “..إن الجماعة هي القاطرة التي تجر العالم العربي والإسلامي إلى الوراء..”
بيد أن إخوان تونس، والذين أضحوا ينكرون أصلا إنتماءهم الفكري والعضوي والتاريخي للتنظيم الدولي للإخوان، أثبتوا بما لا يدعو مجالا للشّك أنهم غير قادرين على التكيّف والإندماج، ولا على قيادة البلاد وإدارة شؤون العباد بسرديّة جميلة تصل بنا إلى العدل والنموّ والسموّ وإدارة الدّيمقراطية بشكل نموذجي ومعياري.
بالمحصّلة، نظام حكمهم لم ينتج إلا الفوضى والعمليات الإرهابية وانهيار الدولة وسقوطها في مخالب المديونيّة وتنامي الفساد وتغوّل العائلات المتنفّذة، مما أنتج أقلّية فاحشة الثّراء وأغلبية تحت خطّ الفقر، علاوة على مكافأة نهاية الخدمة متمثلة في اغتيالين سياسيين من الحجم الكبير …! وأخيرا و ليس آخرا، عشرون ألف روح أزهقت بسبب إدارتهم الكارثية لأزمة جائحة كورونا !
إلا أنهم وبرغم كل ما سبق ذكره، وإثر القرارات التي إتخذها الرئيس في الذكرى 64 لعيد الجمهورية، يتحدثون عن الإنقلاب..! ويدعون خوفهم من ضياع الثورة و المسار الديمقراطي، وفي الواقع خوفهم الحقيقي إنما هو على ضياع امتيازاتهم ونفوذهم الذي مارسوه طيلة عشر سنوات،
منحتهم قرارات الرئيس فرصة أخرى لتعديل مواقفهم لكنهم تشبثوا بالمكابرة والإنكار والإستقواء بالأجنبي، إما خوفا من المحاسبة الحقيقية أو تمسكا بامتيازات زائلة غنموها خلال فترة حكمهم،

تونس، بفضل الله، تدخل الآن مرحلة جديدة من الثورة عنوانها الإنتقال من متاهة التوافقات المغشوشة والأزمات الخانقة إلى فضاءات البناء الوطني، مرحلة جديدة قاعدتها المشروع الوطني السيادي الديمقراطي في كل أبعاده، مرحلة تعتمد فيها البلاد على شبابها و قواها الوطنية بعيدا عن منظومات الفساد والتكفير والتغول.
عاشت تونس حرة مستقلة منيعة أبد الدهر.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*