الصيام والحرية بقلم فتحي طالب

الصوم حسب الدين الإسلامي فرض على كل مسلم ومسلمة اعتقدوا بهذا الدين وأذعنوا لأوامره وهذا أمر لا نزاع حول حجّيته اللهم ما يطرأ من أعذار فالقاعدة الفقهية تقول ” المشقة تجلب التيسير ” وآيات الصيام تقطع بفريضة هذه الشعيرة ” فمن شَهِدَ منكمُ الشهر فليصمه ” فـ ” شهِدَ ” كما في فسرها ابن عاشُور تفيد معنى الحُضور وتفيد معنى العِلم ، و ” مِنكُم ” عائدُ إلى الذين آمنُوا
هذا من باب التنويه وحسب تصور المسلم للشعائر في الإسلام إلا أنني سأحجم عن الخوض في هذه المسائل لأنها متفرعة ومباحثها مترابطة ومباحث اللغة فضلا عن كونها معروفة لعامة الناس وخاصتهم فما يهمني أساسا على الأقل قول النص ” منكم ” وقول المفسر ” منكم تعني الذين آمنوا ” وهو ما يدفعنا للتساءل عن طبيعة التكليف الإلهي للصوم ، هل الله أمر بصوم رمضان الذين آمنوا بهذا الدين فقط أم الأمر يتعداهم ليشمل غيرهم من أجناس البشرية وأعراقها وثقافاتها ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها المخالفة لهذا الدين ؟
إذا كان تكليف السماء كما أخبر رجال التفسير وعلى رأسهم ابن عاشور يلزم المؤمنين والإمتثال للأمر الإلهي منوط بقبول الحكم فلماذ يخرج علينا بعض المشائخ ورجال الدين للتضييق على غير المسلمين وتكفيرهم والإعتداء على حريتهم وهو ما يشوّه صورة الدين القائم على عُرى الحُرية la Liberté والتسامح la Tolérance ؟
هل الخطأ في الدين أم في المتدين ؟ أم هي عاطفة دينية لا تبرهن أحقية وموضوعية هذا السلوك العدائي لحرية الناس ؟
هل الخطأ في النص أم في فهوم تجهل التعاطي معه وترفض أن تهتدي إلى فهم استيعابي ومتسامح ؟
هل نحمل الوزر للسماء أم للأرض ؟
هل من تعارض مع مصداقية الدين إذا أذعنت طائفة لهذا الأمر ورفضت أخرى ؟
ألا يمكن أن نتعايش في فضاء مشترك يجمع بين المذعن والرافض ، بين المسلم وغير المسلم وهل الإفطار في رمضان يمس حقا من مشاعر المسلمين أم هي مجرد فوبيا الإختلاف و Schizophrénie الفرد العربيّ المقهور إجتماعيا وسياسيا ؟
أعتقد أن الدين واضح وصريح ولا يحتاج لأقزام العلم والمعرفة لشرحه وتفسيره للناس وتوظيفه حسب الخلفيّة الأيديولوجيّة والمصالح الحزبيّة الضيّقة بإسم الله ورسوله تأسيا بالتاريخ لجني نفس الثمرة والحال أن الواقع تغيّر والمجتمعات البشريّة تجاوزت طوبويّة الماضي أو لنقل طوبويّة الفهوم الماضوية واطلقت العنان لبناء الإنسان اليوم وإنسان الغد.
إن التمسّك بالثوابت الدينية التي تلزم المعتقد بها فحسب لا يعني تضييق الخناق على الآخر وممارسة دور الوصي علي الله في أرضه والتبجح بالإيمان إذ المؤمن الحقيقي هو المؤمن بالإختلاف مع الإبقاء على مسافات الإحترام والإقناع والتحاجج يستلزم قبول الآخر كما هو لا كما أريد .
إن قبول الآخر كما هو اليوم بعيدا عن مشاعر الخوف على الإسلام و الإيمان هو ضامن دولة الحرية لا دولة الوصايا وهذا لا يفسر أو يبرر التعدي على مقدسات الآخر أو المس من مشاعره الدينية بالسخرية وصبيانية الأقلام الزاعمة أنها حرة
إن الحرية الحقيقية هي التي تؤسس للاحترام وتدعو إليه فلا حرية خارج حدود الايثيقية المشتركة .
بقلم الباحث : فتحي طالب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

49 Shares
Share
Pin
Tweet
Share49