400x400 1
Non classé

التعليم و مأزق المدرسة التونسية

أخبار المواطنة: مقال تحليلي:

بقلم دعاء بن عمر

ناشطة بالمجتمع المدني

تطور الحضارات و الشعوب مشروط بمقومات و المدرسة أهمها  لما لها من دور  في  تنمية المجتمع من خلال إنشاء جيل متعلم قادر علي احداث التغيير الإيجابي كما لها كل الفضل في  تجذر الاخــلاق الفاضلـة والسمـو بنفـوس التلاميـذ و تعودهم علي ممارسة التفكيـر و الاجتهاد, وتشجيعـهم علي بذل الأفضل من اجل تحقيق التقدم لانفسهم و للمجتمع.

فتطور أي مجموعة بشرية لسدة الفعل الحضاري مرتهن بتطور المدرسة و التعليم.

الحضارات القديمة اهتمت بالعلم و أنشأت المدارس لفضلها علي الفرد و المجتمع .  هكذا اهتم الاسلاف بالمدرسة فسموها بدار الحياة أي ان العلم هو الحياة كما قال الباحث حازم الكريتي كما انهم ألَهو المدرسة والعلم ووضعوا لها ربا وهو الالهة تاحوت وكان تركيزهم أساسا علي مواد الاخلاق والاداب دعما منهم لفكرة لا قيمة لعلم دون اخلاق  ونري تعظيم المدرسة  في الحضارت اليونانية أيضا حيث ان التمدرس كان شرطا من أساسيا للمشاركة  في الثقافة اليونانية الي انه كان يشكو من نزعة تمييز فقد كان متاحا للذكور من غير العبيد فقط ومنع عن الاناث والعبيد منعا باتا .

مع تطور المجتمع الانساني فقد تبلور النظام التعليمي مع الغاء قانون العبودية واصبح التعليم حقا مكتسبا لكافة الناس حسب الاعلان العالمي لحقوق الانسان وتعميم مجانية التعليم مما نتج عنه ازدياد ملحوض في الاقبال عن التمدرس.

سعت البلاد التونسية منذ بواكير الاستقلال الي إيلاء أهمية بالغة للتعليم قصد تعويض الإطارات الفرنسية إضافة الي جعل التعليم مساهما في بناء الدولة و تركيز الوحدة الوطنية فقد كان التعليم قاطرة أساسية لبناء الدولة فانتشرت المدارس  في الأرياف و المدن وتم إقرار برامج رسمية تهدف لبناء شخصية تونسية قادرة علي الاستجابة لشروط الوقت وتم إقرار اجبارية التعليم و تعميمه  ومجانيته  وتم التصدي للتعليم الشرعي وذلك قصد انتاج شخصية جمعية منسجمة لتحقيق الوحدة الوطنية فقد كان شعارها  المركزي مدرسة شعبية تعليم ديمقراطي مجاني والتعليم  حق وواجب .

ان واقع المدرسة التونسية اليوم يدفعنا الي التساؤل عن مكانة المدرسة العمومية ومكانتها الاعتبارية والاستراتجية  للدولة والمجتمع .وهل ان النظام التعليمي في تونس قادر ان يكون سببا لنجاح الفرد ورافدا في نمو المجتمع.؟

لا نسعى من خلال هذا المقال الي تشخيص واقع التعليم في تونس بقدر ما نسعى الي لفت الانتباه الي أهمية التعليم العمومي كخيار استراتيجي لتطور يلادنا .

شكلت المدرسة مجالا للتربية والتعليم اذ ساهمت في السمو الأخلافي  للأجيال  لذلك كانت المدرسة العمومية خيارا وجيها لتماسك مشروع الدولة الوطنية وقد لاحظنا ان التعليم كمنهج وكتسيير وكثقافة  كانت واحدة من الأجهزة الاديولوجية والسياسية للدولة عامة وللنخبة السياسية خاصة ولقد اتاحت المدرسة التونسية الوطنية المجال لتكوين نخبة وطنية ساهمت وحققت بشكل فعلي في تونسة الإدارة كما انها وفرت فرصة لابناء الأوساط الفقيرة والمتوسطة للارتقاء الاجتماعي والنفاذ  للسلطة ولقد ميزت هذه الحقبة تكاملا بين دور المدرسة وانتظارات الجتمع. لكن منذ أواخر  التسعينات  وبداية الالفينيات بدأت المدرسة العمومية تفقد مكانتها شيئا فشيئا وفقدت دورها في تحديث المجتمع من خلال كونها أداة اديولوجية  سياسية وبالتالي فان رهانات  المدرسة العمومية مرتبطة كليا برهانات التوجهات السياسية للدولة لقد حسمت النخبة السياسية امرها في التخلي عن دولة الرعاية وتراجع الدولة الاجتماعية كخيار اقتصادي واسطفت إلى التوجه اللبرالي الخاص علي جميع الميادين و بمنطلق ان البلاد التونسية ليست لها بنية فلاحية ولا صناعية قادرة علي ان تكون حاضنة للاستثمار فان التوجه كان الاستثمار في الحاجات الأساسية للسكان من صحة وغذاء و تعليم .

أدى التخلي التدريجي عن الدور الاجتماعي للمدرسة العمومية الي تهميش مضاعف،

تهميش بنيوي ويظهر من خلال تآكل البنية التحتية حتي صارت بعض المدارس خرابا تفتقد الي أدني التجهيزات الأساسية للتعليم وتم التخلي عن الدور الثقافي للمدرسة العمومية إضافة الي نقص فادح في المعينات البيداغوجية و الاطار التعليمي اضافة الي التهميش الوظيفي حيث لم يعد للمدرسة العمومية دور في الارتقاء الاجتماعي فحتي النزر القليل من موظفي الدولة الذين تم استيعابهم في سوق الشغل العمومي كان مرتهنا  بنسبة كبيرة بالمحسوبية والولاءات السياسية خاصة مع ترهل الإدارة بالبروقراطية و المحسوبية .

تخريب منهجي أدي الي تحويل المدرسة العمومية من قاطرة لتحديث المجتمع  إلى مؤسسة مهمشة تعيد انتاج التهميش .وتحولت اغلب المؤسسات من فضاءات تعليمية تربوية الي بؤر  للفساد وتعاطي الممنوعات وتحولت من فضاء تربوي تثقيفي  الي اطار ينتج ذوات مهزوزة بعدما تم فك الارتباط بين الحرف والقيمة و بين المبني  والمعني فصارت المدرسة تنتج في اغلبها كتلا لحمية متحركة لا تمتلك أدني مستويات الذكاء من فكر وابداع وتنتج مسوخا تفتقر الي شخصية المثال التي كان يجسدها نموذج المعلم  والأستاذ و الدكتور و المحامي  وصار يمثلها  السعدي الذباغ …

فماهو الحل امام انهيار المنظومة التعليمية التربوية ؟

يقر الجميع بالازمة الهيكلية التي تعاني منها المدرسة العمومية و بكونها أزمة مستفحلة اثرت سلبا علي المستوي المعرفي والقيمي للمدرسة وهو ما استوجب الإصلاح السريع وهو ما يتفق عليه جميع المتدخلين في العملية التربوية وخاصة الوزارة. لكن ما لاحظناه ان الوزارة بدل ان تتجه الي معالجة ازمة المدرسة العمومية قد تقاعست عن الإصلاح  التربوية  وفتحت الباب للتعليم الخاص وهو ما أدى الي انقسام المشهد التعليمي. نظام عمومي متواضع وهش و مهمش يعاني من الإزدحام وضعف الإمكانيات و ينتج في غالبيته  ذوات مأزومة في واقعها الاجتماعي .ونظام ثاني خاص منسجم مع إيقاع الحياة ورفيع المستوي موجه الي فئة ميسورة. نضامان مختلان لا يستجيبان لادني شروط التكافئ في الفرص، إضافة الي ظهور شهادات تحت الطلب  أمعنت في اغراق سوق اشغل بالباحثين عن عمل.نضامان مختلان  كرسا المزيد من اخفاق و تشضي المجتمع.اخفاق تلو الإخفاق…

تبقي المدرسة العمومية هي الوسيلة الوحيدة القادرة علي النهوض بالشعب التونسي، وذلك لانسجامها مع خصوصياته المادية والثقافية واللوجستية.وتبقي المدرسة العمومية هي صمام أمان لمجتمع قوامه العلم والأخلاق حتي تكون تونس دولة متقدمة ومواكبة لركب الحضارت. هذا الحلم يبقي رهينة الإرادة السياسية التي بقيت محكومة بصراعات حزبية ضيقة. لقد حان الوقت لشحن الهمم للقيام بالإصلاح التربوي الشامل والجذري لاعادة المدرسة العمومية لمكانتها التي تستحقها.فهل نحن قادرون علي تحقيق هذا الحلم ام ان علينا الإقرار بانه انتهي زمن المدرسة العمومية وولى ….

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*