تحليل, رأي, مقالات وأراء

إرهاصات الإنقلاب و”وحم” السلطة.. علامات الاهتراء ورصاصات الإبتزاز….

بقلم

حسان الورغمي

 

نحن ما زلنا جنودًا في خدمة تونس حتى في سياق التقاعد، وأنه لا يمكننا في الظروف الحاليّة أن نظل غير مبالين بوطننا الجميل، ونحن مستعدون لدعم أي سياسات تأخذ في الاعتبار حماية أمن الأمة، وأن الغالبية العظمى من أبناء الوطن غارقة في صمت السلطة المثير للدهشة والذنب”

قد تحملك هذه الكلمات إلى ما يجري في تونس من تمخض و جعجعة ثنائية بين فريقين من “المتقاعدين” (قانونيا) و لكن في الحقيقة ما ذكر هو نص توجه به بعض المتقاعدين العسكريين في فرنسا (قمت بتغيير لفظ فرنسا بتونس لغاية المقارنة ) للرأي العام و الأطراف الحاكمة الفرنسية تحت مسمى حماية أمن البلاد و استقرارها.. و فيه توق مسكوت عنه إلى سلطة عبر وسم كل من يحكم بأنه غارق في صمت السلطة و الذنب..

و بالتالي فإن ما يقع في تونس و غيرها يندرج ضمن سياق وجب تفكيكه و فهمه..

أولا : الديمقراطية العريقة على المحك بين معادلة الاقتصاد, الانفتاح و الأمن ..

بعيدا عن البروباغندا الإعلامية و المساحيق الرأسمالية فأن كل العالم يشهد أزمات تتفاقم كل يوم على هذه الأصعدة .. فالصعود المفاجئ لبعض الشخصيات السياسية لا يدل إلا عن تغيرات في اختيارات الشعوب و ميولاتها.. قد وصف البعض أن هذا العصر هو عصر “الشعبويات” ولا داعي للخوض في مدى مصداقية هذا الوصف فقد يرى البعض في هذه الحركات أنها ذات عمق قومي انتمائي يحملها للفعل .. و هذا الأمر قد ينطبق على تونس باعتبارها ذات توجه ديمقراطي لم يسر بنفس خطوات “وعي” العامة و متطلباتها الاقتصادية و الحقوقية فتعثر الكل.. إذ أن كم السخط الشعبي نحو الديمقراطية الناشئة ينمو كل يوم.. و نرى الكل قادرا على تشخيص أسباب العجز حسب نظرته.. و هذا أمر محمود في ظاهره و لكنه يبقى محلا لتسلل الانتهازية السياسية التي ستعكر الوضع في كل مرة..

ثانيا الوصاية الخضراء : ازدهرت في آخر سنتين سلطة من كانت لا سلطة لهم إثر وضع وبائي جعل المستشفى مقرا سياديا و أعاد لبعض الخيارات الاجتماعية بريقها حتى في أبعد المجتمعات عنها.. فتفرقت السلطة بين القرار السياسي الكلاسيكي في العالم و سلطة الأطباء..

هذا الوضع حضر لوضع مناسب يراكم وصاية أطراف أخرى على العوام القاعديين في كل المجتمعات.. كل هذا غازل بعض العسكر في العالم و بث فيهم بعضا من نزعة سموها مسؤولية و لكنها في الواقع ميول نحو السلطة و سقوط في المحضور .. قد نستحضر ما قاله علي عبد الله صالح الزعيم اليمني حين اشتد عليه خناق الحراك اليمني : ” زمن الإنڤلابات ولى ..”لكن بعد عشر سنوات توفرت ظروفه و غاب الانقلاب..

وجب التنويه هنا أن هذا التداخل الذي تشهد تونس بين الأطر المدنية و العسكرية يدفع للتساؤل فقد صور التونسيون دوما أن هذه المؤسسات الحاملة للسلاح كانت خارج الصراع الدائر و المحتدم حول السلطة منذ خطبة الوداع التي روض بها قائد الجيوش الثلاثة الزخم الثوري في اعتصام القصبة و انحاز حسب رؤيته للمدنية الكاملة..

ثالثا: هل التقاعد يرفع الصفة نهائيا.. قانونيا للمتقاعدين الحق في النشاط السياسي و هذا أمر لا جدال فيه و لكن السؤال هل أن هؤلاء المتقاعدين فكوا صلتهم بإطارات أخرى تباشر العمل الآن صلب المؤسسات العسكرية..

ليس الأمر بالبساطة التي يسوق لها البعض.. فليس التقاعد من المؤسسات الحاملة للسلاح مماثلا للتقاعد من مؤسسات أخرى.. إذ لا أظن أن سائق حافلة متقاعد و إطار عسكري متقاعد لهم نفس الدراية ببعض أسرار الدولة و خبايا الحكم..

رابعا : رؤيتان مختلفتان بينهما تقاطع ملغم ..

بين حركة “الجنرالات” و “العكروت” اتفاق حول آليات التغيير الحتمي حسب نظرهم و اختلاف في التنفيذ و هنا تكمن المشكلة الأساسية فهل أن الاستقطاب الثنائي الذي تديره حركة النهضة مع نقيضها الذي لم يتضح إلى حد الآن صار سبيلا للانقسام في صلب “المتقاعدين” و هذا مسار خاطئ و خطير فهو مدخل لمنعرجات سيئة قد تمس من وحدة المجتمع المهددة بالسبق..

: ألم يكتفي المتقاعدون ؟ كما هو معلوم فإن التقاعد يكون إثر سنة محددة و سنوات من “العمل” فهل أن هؤلاء “الكهول” قادرون على الفعل و التغيير بعد عجز عن إدارة شؤون البلاد لعقود.. إن هذه الأجيال تسعى إلى استعادة مكانتها على حساب فتوة اليوم التي لها الحق و لها القدرة على الفعل و التغيير إذا توفرت لها المقومات الضرورية لذلك.. اذ تعج كل الدكاكين السياسية التونسية ب”مشيخة” أبلتها دوائر الحكم و المعارضة و تمتلئ شاشات تلفازاتنا و منابرنا حتى الدينية منها بجمع من “العجزة” فكريا ممن أكلهم “شيب” و “كبر” جعل منهم أصحاب الحقيقة الكاملة و ذوي الحل و الرأي السديد و الدليل ما بلغته بلادنا اليوم..

أخيرا : سيلعنكم الشباب و التاريخ على ما فعلتم و تفعلون

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*